ومعلوم لدى كل ذوَّاق للتصوير الفني في القصص أن ما كان منها أكثر مطابقة للواقع كان أكثر تأثيرا في النفوس، واستثارة للمشاعر [1] .
خامسًا: التغليب، ومن أدلته: أن الله تعالى ذكر في القرآن الذين آمنوا والّذين كفروا في نصوص كثيرة، ويدخل المؤمنات في الذين آمنوا، والكافرات في الذين كفروا، لأن الاقتصار في اللفظ على المذكورين قد كان على سبيل التغليب.
ومنه أيضًا قوله جل وعلا: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (74) } ص: 71 - 74. جاء في هذا النص وأشباهه ذكر الملائكة دون ذكر من كان معهم من الجن على سبيل تغليب الكثير على القليل، فالذين كانوا مع الملائكة من الجن داخلون في عموم الأمر بالسجود لآدم، دل على هذا استثناء إبليس، فقد كان من الجن ففسق عن أمر ربه، ولو لم يكن الجن الذين كانوا مع الملائكة مأمورين بالسجود لما استثناه الله من عموم المأمورين به إذ لم يسجد (2) .
سادسًا: وضع الخبر موضع الإِنشاء ووضع الإِنشاء موضع الخبر.
فمن أدلة وضع الخبر موضع الإنشاء قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) } البقرة: 84.
أي: لا تسفكوا دماءكم، ولا تخرجوا أنفسكم من دياركم، فجاء التكليف بصيغة الخبر وبعبارة الفعل المضارع للإشعار بلزوم فورية الامتثال. وقال الشاعر:
كل خليل كنت خاللته ... ... ... لا ترك الله له واضحة
(1) انظر: البلاغة العربية، لعبد الرحمن حبَنَّكة: 1/ 510،509.
(2) ... انظر: نفس المرجع السابق: 1/ 511،510.
(3) ... انظر: نفس المرجع السابق: 1/ 513.