فهرس الكتاب

الصفحة 333 من 431

أن الفلاسفة والكفاءات العلمية والفنية سينقلون معهم أساليب تفكير تلك الحضارة وأسرار علومها وحرفها وزراعتها. وكانت الصين مثلا من أكثر الحضارات تشددة بالنسبة لتنقل وهجرة علائها وكفاءاتها إلى الخارج.

إلا أن ما يجب أن يحصل لا بد أن يحصل، إذا جاز التعبير. فبالرغم من كل العراقيل والعقبات التي كانت تضعها بلدانهم فإن موجات الهجرة والتنقل في صفوف الفلاسفة والعلماء والحرفيين والصناعيين والزراعيين وغيرهم لم تتوقف. فحتى في الصين القديمة استطاع عدد من كفاءاتها أن يهاجر إلى دول وحضارات أخرى حاملا معه بعض أهم اختراعات و اکتشافات الحضارة الصينية إلى الهند والعرب، والتي انتقلت فيما بعد على أيدي العرب - بعد أن أدخلوا عليها تحسينات في كثير من الأحيان إلى الغرب المتعطش لكل جديد ولإقامة حضارة جديدة جبارة.

كذلك هاجر بعض علماء وكفاءات الحضارة القديمة من وادي النيل ومن بلاد ما بين النهرين عندما اشتدت عليهم الظروف الداخلية وبعد أن عرفوا أمكنة أكثر احتراما وتقديرا ورحابة صدر لمعرفتهم وجهودهم الخلاقة.

ومن أشهر هجرات الفلاسفة والعلماء تلك التي حملت فلاسفة وعلماء الجزر اليونانية على الرحيل والإستقرار في أثينا قبل عدة قرون من ميلاد المسيح، كما لا تقل أهمية هجرة بعض أشهر فلاسفة وعلماء الإغريق إلى الإسكندرية بعيد عن اضطهاد الطغاة وأم"بإيجاد مناخ الحرية المؤاتي لعمل الفكر والمفكرين. ولقد استطاعوا بالفعل (إقامة مركز حضاري جديد يفوق في أهميته وعظمته مركز أثينا نفسها."

أما في العصر الحديث، حيث ازداد الوعي في الدول المتقدمة وبالأخص من قبل المسؤولين ومتخذي القرارات - بالأهمية البالغة لدور العلماء والفنيين في تقدم الحضارة وفي خلق القوة المادية والاقتصادية والعسكرية للدفاع عن منجزاتها ومواجهة تحديات الآخرين لها، فقد أصبحت مسألة المحافظة على العلماء والأخصائيين والفنيين داخل أوطانهم أو جذب كفاءات الآخرين، مسألة حيوية للغاية، وذلك ليس فقط نتيجة الوعي المتزايد بأهمية دور هذه الكفاءات في التطور

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت