كما أسلفنا، وإنما لسهولة تحرك وهجرة أصحاب الكفاءات إلى الأمكنة التي توفر لهم الحوافز المادية وغير المادية لتطورهم مهنية وفكرية ومعيشية. والكل يذكر في هذا الخصوص المنافسة الشرسة بين الحلفاء خلال وغداة الحرب العالمية الثانية للحصول على أكبر عدد من العلماء الألمان، خصوصا الذين يعملون في ميدان الذرة والميادين التي تجاورها. وقد وصلت هذه المنافسة بين الدول الخليفة إلى حد اختطافها لبعض العلماء الألمان. وكانت حصة الولايات المتحدة من هذا و الصيد، كما هي العادة - حصة الأسد، ولم يكن ذلك بالطبع بعيدا عن نجاح الولايات المتحدة في تطوير واستخدام القنبلة الذرية ضد اليابان لتعلن فقط نهاية الحرب، وإنما لتعلن هيمنة الولايات المتحدة في مجال العلم والتكنولوجيا لفترة ما بعد الحرب.
وقد أخذ موضوع هجرة العقول يحظى بأهمية بالغة من قبل المسؤولين على المستوى الوطني والدولي ومن قبل العلماء المهتمين منذ أوائل الستينات بعد أن أصبحت هجرة العمال والمهنيين من الدول النامية إلى الدول الرأسمالية المتقدمة من أهم وأخطر الظواهر في العلاقات الدولية. وهذا ليس بالأمر المدهش لأن هجرة منظمة لجزء هام من الأيدي العاملة المدربة والكفاءة تكنولوجيا من دولة نامية يخلق تحديا خطيرة التطور هذه الدولة اقتصادية وتكنولوجيا وعلميا (1) .
وفي المجال التكنولوجي، من المعروف أن الأيدي العاملة المدربة والمتخصصة التخصصات الدقيقة هي أهم وسيلة تتحقق من خلالها إقامة قاعدة تكنولوجية وطنية و إدخال التطورات العلمية والتكنولوجية في مجال إنتاج السلع والخدمات وتوزيعها. ويصبح بالتالي خسارة دولة نامية لجزء هام من هذه الأيدي والعقول العقبة الأساسية في طريق خلق مثل هذه القاعدة التكنولوجية وتطورها وحسن استغلالها. وهكذا فإن الدول المتقدمة عندما تخلق كل أنواع الحوافز لاستقطاب العقول العلمية المبدعة