وحدوس حسية غير منظمة أو مرتبة، حتى يتدخل العقل بمقولاته المنطقية ليحول التجربة إلى تصور عقلاني مفهوم. فإذا وجدنا قطنا يحترق، وبقربه النار، فهذه عبارة عن انطباعات حسية مبهمة، فلابد أن يتدخل العقل عن طريق الفهم بمقولاته المنطقية، مثل: الزمان، والمكان، والسببية، لكي نقول: إن النار هي سبب احتراق القطن. ومن ثم، يمكن القول: إن القطن والنار عبارة عن مدركات حسية، لكن السببية مفهوم عقلاني مجرد له علاقة بالعقل الخالص، وهو عبارة عن مبادئ منطيقة ومعرفية مجردة وكلية، بها يدرك العقل المعطيات الخارجية، وينظمها بشكل منظم ومرتب.
ومن هنا، فمصدر الحقيقة المعرفية والعلمية عند كانط هو العقل والتجربة معا (الحقيقة المادية والحقيقة الصورية) . لكن هناك حقائق لا يمكن الوصول إليها عن طريق العقل والتجربة، وهي الحقائق الميتافيزيقية أو الماورائية، أو كما يسميها كانط بحقائق النومين التي لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق العقل العملي والأخلاقي (الإيمان الداخلي) . أما الحقائق الفيزيقية (الفينومين) ، فيمكن إدراكها عبر العقل والتجربة معا. ويعني هذا أن العقل محدود في طاقته الإدراكية، لا يمكن أن يتجاوز نطاقه المرسوم له، وخاصة في استكناه الماورائيات، كمعرفة الله، وخلق العالم، وإدراك حقائق النفس والعالم الآخر ... وفي هذا السياق، يقول كانط:"إن عقلنا لا يشبه، نحوا من الشبه، سهلا ممتدا لا محدودا، لا تعرف حدوده سوى بكيفية عامة، بل ينبغي أن يشبه بالأحرى بكرة يمكن قياس أبعادها ... محتوياتها وحدودها قابلة للتعيين بدقة."