فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 56

من الميسور لنا أن نفترض أنه لا يوجد إله ولا سماء ولا أرض، وأنه ليس لنا أبدان. لكننا لا نستطيع أن نفترض أننا غير موجودين حين نشك في حقيقة هذه الأشياء جميعا، لأن مما تأباه عقولنا أن نتصور أن من يفكر لا يكون موجودا حقا حينما يفكر. وعلى الرغم من أشد الافتراضات شططا فإننا لا نستطيع أن نمنع أنفسنا من الاعتقاد بأن هذه النتيجة: أنا أفكر، وإذا فأنا موجود، صحيحة. وبالتالي، إنها أهم وأوثق معرفة لمن يدبر أفكاره بترتيب.

ويبدو لي أيضا أن هذا المسلك هو خير المسالك التي نستطيع أن نختارها لكي نعرف طبيعة النفس، وأنها جوهر متميز كل التميز عن البدن: لأننا حين نفحص عن ماهيتنا نحن الذين نفكر الآن في أنه ليس خارج فكرنا شيء هو موجود حقا، نعرف جليا أننا لا نحتاج لكي نكون موجودين إلى أي شيء آخر يمكن أن يعزى إلى الجسم، وإنما وجودنا بفكرنا وحده. وإذا، ففكرتنا عن نفسنا أو عن فكرنا سابقة على فكرتنا عن الجسم، وهذه الفكرة أكثر يقينا، بالنظر إلى أننا لا نزال نشك في وجود أي جسم في حين أننا نعرف على وجه اليقين أننا نفكر." [1] "

وليس الشك عند ديكارت إلا عملية فطرية ولدت معه منذ طفولته الناعمة، وهذه العملية التوثيقية والظنية هي التي ستحرره من الأخطاء السابقة، والإشاعات المنتشرة في الوسط الاجتماعي، وذلك كله من أجل بناء نسق معرفي حقيقي ويقيني صادق. وفي هذا المجال، يقول ديكارت:"كنت قد انتبهت، منذ سنواتي الأولى، إلى أني قد تقبلت كمية من الآراء الخاطئة على أنها آراء حقيقية وصادقة، وإلى أن ما أقمته على هذه المبادئ غير المؤكدة، لا يمكن"

(1) - ديكارت: مبادئ الفلسفة، ترجمة: عثمان أمين، مكتبة النهضة المصرية، طبعة 1960، صص:86 - 93.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت