عميق في الملكوت وآيات الله الكونية، وتدبر دقيق وإعمال للفكر في كتابه الحكيم ..
فهل جربت أن تسمو بهمتك من قراءة الحرف واحتساب العشر حسنات عليه إلى أجر التفهم والتأمل والتدبر؟
هل جربت أن تشرع مراكبك وتهيء حقائبك و أن تسافر في أنداح السكينة والرحمة ومنة المنان؟ أن تحلق بأجنحة من نور إلى عوالم النور وكواكب الغفران وقناديل الذكرو كلام الرحمن؟
أن تصنع من كتاب الله بوصلة تحدد لك معالم السبيل، ونبراسا يضيء لك عتمة الحياة المجبولة على الكدر، يقوّم ما حاد من الأفكار وما حنف من السلوكيات عن الطريق الواحد الممتد الطويل، ويهذب شعث الأخلاق ومارقها .. وتستنصر به على الأمارة والهوى، وتستغيث بالحياة الكامنة في آيه من موت الأرواح على مقصلة الغفلة والتسويف والعادة .. أن تجعله الدستور الذي لا يحيد عنه إلا هالك، تستشعر خطابه لك وبأنك المعني في كل أمر وفي كل نهي .. تستجيب لنداء"يا أيها الذين آمنوا"وترعوي من الزجر والنهي والوعيد، وتشرق نفسك مع كل وعد جميل بالغد الجميل في رحاب الجنان .. تمني النفس وتأمل في من وعد وصدق عباده وعده .. يقشعر منك الجلد لذكره سبحانه، وتذرف المآقي لآلئها، ثم ما تلبث أن تلين وتتنفس السكينة والطمأنينة .. تتجول في أفانين اليقين و مروج الثقة وبساتين الرجاء .. تمرض فتهرع إلى آيه وإلى قصة أيوب تتلمس من بين الحروف الرجاء والطمأنينة والثقة في قدرة الطبيب الشافي، وتضيق بك وتظلم في عينك وقد قاربت من الإياس، فتهرع إلى قصة يونس تتربص بخيوط النور المتسللة من بين الظلمات الثلاث، وتتوالى عليك الملمات والمصائب، فتسارع إلى قصة يوسف تصعد مع خطاطتها وتنزل بين فرج تتبعه شدة، وبين شدة ليس لها من عاقب إلا الفرج .. تنظر إلى الدنيا ومتاعها الذي لا يعدو أن يكون حطاما تذروه الرياح فتتخيل الصورة فتسارع إلى الرضوان و تختار الباقية على الآفلة الفانية .. وتنظر إلى مآلات صراع الخير والشر والكفر والإيمان والاستجابة والعصيان، فتدرب النفس على موازين الحق، وتمرِّسها على العمل وعلى حسن الاختيار ..
هل جربت أن يؤذَّن في روحك أن أقبلي، فهذا كتاب الله، فماذا أنت صانعة فيه ومعه؟
فقم، أيها الشارد السادر في الغفلة، وامسح عنك الوسن، واغتسل بدمعك وبعطر كلام الله، واستجب لداعي الشرف وباعث إقامة حكم الآي و أمره قبل إقامة حرفه ..
استفتح من الله واسأله المدد .. رتب حقائبك، واحجز مكانا لرحلة آمنة بفضل الكريم المنان إلى تدبر كلامه ..