وأسهمت الحملة كذلك في هز ثقة المصريين في قدرة الدولة العثمانية على القيام بدورها التقليدي في حمايتهم، وأصبحت الساحة مهيأة لظهور أي من المغامرين الطامعين في السلطة.
على أن هناك عنصرة آخر قد أفرزته هذه الظروف يتمثل في القرى الشعبية في مصر حيث أيقظت الحملة روح الجهاد الإسلامي ضد المعتدين «الكفرة، في صفوف المصريين، ولم يكن ذلك دليلا على اليقظة الوطنية أو القومية التي حاول الفرنسيون إشعالها كما يرى البعض ولكنه كان جهاد ضد عدو المسلمين، فكانت قيادته في الجامع الأزهر وغيره من المساجد، وزعماؤهم شيوخ الأزهر ورجال الدين، لكن القلة التي ساندت الفرنسيين واندثرت برحيلهم فلا يقام لها وزن في مسيرة الأحداث.
وكان العثمانيون قد قرروا إحكام سيطرتهم على مصر من خلال الوالي دون أن يعودوا إلى سياسة الاستعانه بالاليك في الحكم، وقد أدى ذلك إلى إثارة مخاوف بريطانيا على مستقبل الأوضاع في مصر وجعلها تفكر في مساندة أحد أمراء المالية وهو محمد بك الألفي في الوصول إلى الحكم، لكن بريطانيا وجدت أن استخدام القوة في سبيل ذلك سيسيء إلى علاقتها بالدولة العثمانية الأمر الذي قد يؤدي إلى حدوث تقارب بينها وبين الروس أو الفرنسيين وبخاصة أنها - أي بريطانيا - لم يكن من أهدافها في ذلك الوقت السيطرة الدائمة على مصر (39) ، وكانت تفضل سياسة المحافظة على ممتلكات الدولة العثمانية في هذه الفترة.
ووسط هذه الظروف التي هيأت للعثمانيين إمكانية تنفيذ سياستهم تعين خسرو باشا واليا على مصر سنة 1802 م، ولكن لم يمض على توليه سوي عام ونصف إلا وثار عليه الجند الأرناؤود (الألبان) واضطروه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(39) عمر عبد العزيز: المرجع السابق ص 300