يعوضه خيرا منها في الآخرة، كل ذلك منه عز وجل ابتلاء لعباده {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} الرعد 41.
وقد روي من أسباب نزول هذه الآية أن الرجال قالوا:"نريد أن يكون لنا في الأجر أجران"، وأن النساء قلن:"نريد أن يكون لنا أجر مثل أجر الرجال الشهداء فإنا لا نستطيع أن نقاتل، ولو كتب علينا القتال لقاتلنا، فأبى الله ذلك". وأن أم سلمة قالت:"يغزو الرجال ولا تغزو النساء وإنما لنا نصف الميراث"فأنزل الله تبارك وتعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} ، أي: إن ذلك منه تعالى عدل صادر عن علم وحكمة, ولا مناص من إعطاء كل ذي حق حقه.
ثم بين عز وجل حق الورثة من الأقارب وحق أصحاب العقود الموثقة بالأيمان فقال:
{وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} والموالي جمع مولى وهو الوارث والعصبة، قال ابن جرير:"العرب تسمي ابن العم مولى"، والمعنى أن الله تعالى جعل لكل وارث نصيبا مقدرا مما ترك والداه وأقربوه لا يجوز منعه إياه. عن أما غير الأقارب ممن عاهدتموهم على التوارث في الجاهلية بالأيمان المغلظة فيقول تعالى:
{وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآَتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} فيجب أن تؤتوهم نصيبهم رعاية للأيمان التي وثقتم بها عقودكم، وقد أمر تعالى بهذا الوفاء في أول الهجرة بالمدينة، وللمسلمين عقود وعهود مع المشركين في مكة يطلقون عليها عقود الولاء، وقد كان الرجل منهم في الجاهلية يعاقد الرجل ويقول كل منهما للآخر:"أنا أخوك وأنت أخي، حربي حربك، وسلمي سلمك، دمي دمك وهدمي هدمك وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك"، أي: إن ارتكبتُ جناية تدفع عني، وإن ارتكبتَ أنت جناية أدفع عنك، فأقر الإسلام هذه العقود وتركها قائمة، وشدد في الوفاء بها على ألا يحدثوا عقودا جديدة مثلها، وكان المهاجرون والأنصار كذلك في مستهل الهجرة قد آخى بعضهم بعضا على النصرة والتوارث فنسخ التوارث بقوله تعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} الأنفال 75 وبقيت أخوة الإيمان ونصرته.
ثم توج عز وجل هذه الأوامر والنواهي بالوعد الصادق لمن أطاعه والوعيد الشديد لمن عصاه فقال: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا} شهادته تعالى محيطة بكل شيء في الكون، محيطة بأعمالنا وما تخفي أنفسنا وما تعلن: {عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} سبأ 3. ومن ثَمَّ خُتِمت حلقة جديدة من حلقات التأهيل النفسي والتربوي والتشريعي في سورة النساء بما هو معهود في المنهج القرآني لبناء