وبعد أن حرم عز وجل أكل الأموال بالباطل ونهى عنه وبين ما يؤدي إليه في الدنيا من فتن وظلم وعدوان وقتل، وما يؤدي إليه في الآخرة من عقوبة، وما يجنيه المؤمنون المنتهون عنه من نعيم في الجنة، انتقل الوحي الكريم إلى معالجة جذور هذه الآفة في النفس البشرية لكبتها واستئصالها بقوله تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} ولفظ {تَتَمَنَّوْا} من أصل الفعل"مَنَى يَمْنِي"أي قدَّر، والمنِي بالياء القدَر، يقال:"مَنى اللهُ لك ما يسُرُّك"أَي: قَدَّر الله لك ما يَسُرُّك، والمنية الموت لأنه قُدِّر علينا، وفي الأثر أَن منشدا أَنشد النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تَأْمَنَنَّ وإِنْ أَمْسَيْتَ في حَرَمٍ حتى تلاقي ما يَمنِي لك الماني"، أي حتى تُلاقي ما يُقدِّر لكَ المُقَدِّرُ وهو الله عز وجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو أَدرك هذا الإِسلام.
والتَّمَنِّي حديث النفس بما يكون وبما لا يكون، يقال: تمنى الشيء: أي قدره لنفسه وأحب أن يصير إليه، من المني وهو القدر، ولما كان أكثر التمني تصورا لما لا حقيقة له صار الكذب به ألصق؛ والتمني المنهي عنه في هذه الآية هو الطمع والحسد والتنافس والتكالب على ما في يد الغير مما يؤدي إلى فساد الأخلاق، وإلى قسوة القلوب وجفاء العلاقات بين الناس، وإلى ما يشبه الاعتراض على قدر الله في قسمة الأرزاق بين خلقه على رغم سعيهم فيها.
ثم علل الحق سبحانه هذا النهي بقوله:
{لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ} أي لكل من الرجال والنساء حظ يكتسبونه مما يبذلونه من جهد وأعمال، أو نصيب مقدر مما يصيبونه من ميراث وأرزاق، على حسب ما تقتضيه الحكمة الإلهية، وليس لامرئ أن يعترض على ما يقدره الله لعباده، ويتمنى ما ليس له، فإن رأى حاجة لمزيد الرزق فليسأل الله من فضله الواسع:
{وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} وسؤال فضل الله عبادة، والعبادة عمل ودعاء، قال صلى الله عليه وسلم: (اعقلها وتوكل) ، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر بنا شاب نشيط يسوق غنيمة له فقلنا"لو كان شباب هذا ونشاطه في سبيل الله كان خيرا له منها"، فانتهى قولنا حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ما قلتم؟) ، قلنا:"كذا وكذا"، قال: (أما إنه إن كان يسعى على والديه أو أحدهما فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى على عيال يكفيهم فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى على نفسه فهو في سبيل الله عز وجل) . ثم إن الله تعالى بحكمته ومشيئته وعلمه بخلقه وبما يصلح لهم ويصلحهم يقدر الأرزاق ويوزعها بينهم، فيكثرها لمؤمن عامل فيها بمنهج الله في الدنيا ويبارك أجرها، ويقللها لآخر صابر محتسب كي