فهرس الكتاب

الصفحة 251 من 326

تفسير القسم الثالث من سورة النساء

من الآية 115 إلى الآية 176

أثر التوحيد في ترشيد العقول وإقامة العدل

تمهيد: أثر التوحيد في ترشيد العقول وإقامة العدل

تطلع إبراهيم عليه السلام إلى ملكوت السماوات والأرض، فاهتدى إلى ربه ووحَّده فرشد، ثم انطلق يدعو إلى التوحيد ونبذ الشرك، وقال عنه الحق سبحانه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} الأنبياء 51/ 52، وفزِع داوود من الخصمين إذ دخلا عليه وقالا: {لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ} ص 22، فما لبث عليه السلام أن تذكر وفهم فتاب وأناب: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} ص 25 ولم يكن من نتيجة لهذا الاختبار الإلهي بعد أن تجلى رشد داوود إلا أن أُمِرَ بالعدل: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} ص 26.

تلك كانت وتكون بداية كل أمر رشيد، نقطة انطلاق واحدة موحِّدة، يستبين بها سبيلُ الحق فيتبعه الرشداء ويتخذونه منجاة وموئلا، وسبيلُ الغي فيهجره العقلاء ويجتنبونه ويحذرونه مصيرا ومآلا، إنه التصور الإيماني النير الواضح، التوحيد، مصدر كل رشد ورأس كل حكمة وشجرة كل عدل وإحسان، لا يشوبه غبش من شرك خفي أو شرك صريح، ما حل بقلب امرئ وعقله إلا اهتدى وعدل في أمره وأمر غيره، ففاز بخير الدنيا وحسن ثواب الآخرة.

ولئن كان أمر المستضعفين في الأرض مما اختصت به سورة النساء فقد ناسب أن يكون قسمها الثالث والأخير مجمِلا محاذير الأدواء شركا وجهلا وظلما، وناجعَ الدواء توحيدا وعدلا وعلما، وكان استهلال ذلك كله تحذيرا من مُشاقَّة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباع غير سبيل المؤمنين بقوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} النساء 115.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت