الجهاد والهجرة
الآيات 95 - 100
قال الله تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96) إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100) }
لا شك أن منهج الإسلام المتكامل مسطور في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، مبناه على الإيمان ومرتكزه على الصدق، لكن ترجمته إلى الواقع لا تتحقق إلا بأمة حية تمشي على الأرض، تتكامل فيها تعاليمه عقيدة صافية وإيمانا صادعا غير هياب ولا وجِل ولا متردد. رجالها حمالون لِهَمِّها آناء الليل وأطراف النهار، إن نطقوا صدقوا، وإن استُنْفِروا نَفَروا، كل امرئ منهم سَلَمٌ لصاحبه، وصِنْوٌ حبيب كُفْؤٌ لأخيه، تملأ بشاشة الإيمان قلوبهم اطمئنانا بالقدر خيره وشره، ابتلاء من ربهم واختبارا، إن ضاقت عقولهم الدنيوية بخوف أو فتنة رَفَدَتْهُم عقولُهم الإيمانية فتولت سياستهم وهزمت جبنهم وأخذت بأيديهم إلى بر النجاة، صدقا مع ربهم، وصدقا في النصح لقومهم، وصدقا في مواجهة البغاة على دينهم، قال تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} الأحزاب 23،
ولئن كان الإيمان جوهر حياة المرء في الدنيا والآخرة، بغيره يُكنَس بالموت كما تُكنس الجيف، ويحرق في الآخرة كما يحرق الحطب، فإن الجهاد في سبيل الله هو قوام الإيمان، عملا بالقلب يقول للشهوات لا، وللبلاء في طريق الحق مرحبا، وللشهادة مرضاة لله واشوقاه، قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بالغَزْوِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ) .