وعملا باللسان قولا صادقا ودعوة صادقة ونصحا لعامة المسلمين صادقا، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} التوبة 119، وقال: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} المائدة 119.
وعملا باليد بناء وتشييدا وإصلاحا في حالات السلم، ومدافعة للعدوان وجهادا للعدو في حالات الحرب، ومكافحة لضلال المنافقين وتضليلهم وغبش رؤيتهم وفساد تصوراتهم في حالات طغيان الفتن والجهالات، وضعف الرجال وسقوط المروءات. كل ذلك بشير بأن منهج الإسلام للحياة متكامل، لبناته بنيان مرصوص، إن افتقدت إحداها اختل الصرح وأسرع إليه الخراب، وما تجزئة قواعده وتعاليمه والاهتمام ببعضها دون بعض إلا إهدارا لقيمته وجدواه، كما هو بالضبط حال اللبن الحليب إن رمت تجزئته حصلت على مشتقاته وضيعت أصله.
هذا ما سارت عليه سورة النساء وقد كان همها بناء المنهج الإسلامي في الفرد والمجتمع متكاملا، وفي الدولة الإسلامية قوية مستعلية بإيمانها وعدالة نظامها، عصية على الذل والاستضعاف، لا يقرع لها أنف ولا تهان لها كرامة، بدأت بضمان حقوق المستضعفين في المجتمعات الإنسانية من كل دين وكل قوم، وحقوق الأيتام والنساء والورثة في كل زمان، مرورا بنظام للحكم عادل يسوي القوي بالضعيف والغني بالفقير في ظل العقيدة السمحة الرضية، ثم بما يحمي الأمة من المنافقين وكيدهم، ويحمي المسلمين كافة من بعضهم، فلا يقتل بعضهم بعضا ولا يستضعف أحدهم الآخر، كل ذلك في ثلاث شعب هن ركائز المنهج وقوائمه، شعبة النظام المالي فلا يأكل الناس أموالهم بينهم بالباطل، وشعبة نظام الحكم فلا يبغي بعضهم على بعض، وشعبة الذروة فيه وهي الجهاد في سبيل الله، وتوفير القوة التي تحمي الأمة وتصونها وتدفع عنها غائلة العدو.
ولئن كانت معرفة الأحكام الشرعية المتعلقة بفقه القتل ضرورية للمجاهدين كما في آيات الحلقة السابقة، لأن من أحكام الجهاد معرفة من يجوز قتله ومن يحرم قتله، وبيان الحال في القتل الخطأ والقتل العمد وشبه العمد والقتل بالتأويل الفاسد، وما ينبغي فعله لتدارك مثل هذه الأخطاء والتطهر من تبعاتها، كفارة وعتقا ودية ووعيدا بالعقوبة والعقاب، فإنه تعالى تلافيا لما قد ينشأ لدى المخطئين عقب تأديبهم وعتابهم، من إعراض أو تقاعس أو تردد أو خشية وقوع في محظور عقب بذكر الجهاد وفضله وعلو مرتبته، وميز المستجيبين لندائه على القاعدين عنه، ترغيبا فيه وتثبيتا عليه، وحثا على تلبية ندائه والمحافظة على آدابه وأحكامه وتشريعاته، والسعي لنيل أعلى درجاته، فقال تعالى: