فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 326

{لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} هذه الآية الكريمة تتحدث عن طائفتين من المؤمنين تصريحا وطائفة ثالثة تلميحا، أما الطائفة الأولى فهم القاعدون عن الجهاد بغير عذر شرعي، والطائفة الثانية هم المستجيبون لدعوة الجهاد بالمال والنفس، والطائقة الثالثة هم أصحاب الأعذار الشرعية، ولم تشر الآية لأهل النفاق من المخلفين وقد تحدثت عنهم آيات كثيرة سبقت في سورة النساء نفسها وفي غيرها من سور القرآن الكريم مثل قوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} النساء 88، وقوله: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} التوبة 81/ 82.

أما القاعدون فهم القادرون على القتال ممن أذن لهم الإمام في عدم الخروج اكتفاء بغيرهم، أو قعدوا تأولا لبعض الظروف والحالات، والمراد بهم في هذ السياق من لم يخرج من الصحابة إلى أول تجربة جهادية في الإسلام وهي غزوة بدر التي وافق حدوثها فترةَ نزول هذه الآية كما ذكر ابن عباس رضي الله عنهما، ولم يكن الرسول صلى له عليه وسلم يقصد بخروجه إلا عير قريش يسترجع بها ما صادره المشركون من مال المهاجرين في مكة، لذلك لم يعزم صلى الله عليه وسلم على أحد بالمشاركة، وترك ذلك للرغبة الذاتية المطلقة، فتخلف كثير من الصحابة ولم يخرج معه إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا؛ وقد وصفهم تعالى بصفة الإيمان بقوله: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} لطفا بهم لما يعلم من صدقهم، وإيذانا بعدم إخلالِ قعودِهم عن غزوة بدر بإيمانهم، وإشعارا باستحقاقِهم الحُسنى لسبقهم إلى الإيمان والنصرة، بقوله تعالى فيما يأتي من الآية: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} ، وتمييزا لهم عن المنافقين في قوله تعالى: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} الفتح 11.

وأما الطائفة الثانية فهم أولو الضرر الذين استثناهم عز وجل من القاعدين بقوله: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} وقرأ ابن كثيرٍ وأبو عمرو وحمزة لفظ: {غَيْرُ} بالرفع صفةً للقاعدين، وقرأ نافعٌ: {غَيْرَ} بالنصب استثناء من القاعدينَ، وهم ذوو الزمانة من مرض وعرج وعمى وشلل، ممن ذكروا في قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ} الفتح 17 ويدخل فيهم من ليس له سلاح أو ركوبة إلى ميدان المعركة ولم توفر الدولة له ذلك بقوله تعالى: وَلَا عَلَى الَّذِينَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت