المعاملات المالية العادلة سبيل التنمية و السلم
(الآيات 29 - 33)
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31) وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (32) وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآَتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (33) } النساء
عالجت سورة النساء فيما سبق من آياتها الكريمة أخطر مظالم الاستضعاف في الأسرة البشرية، وكان من أبرز هذه المظالم غمط الحقوق المالية في علاقة الأوصياء والأولياء باليتامى ذكورا وإناثا، والورثة كبارا وصغارا، والأسرى إماء وعبيدا، وعلاقة الأزواج ببعضهم في حالات الوفاق والشقاق، والفقر والغنى، وبذلك عُدَّت السورة تدخلا مباشرا في توجيه السلوك المالي للمسلم ورسما أساسا لمعالم الوظيفة الاجتماعية للاقتصاد الإسلامي، بتحريمها استخدام المال في الظلم والاستئثار والاستعباد، وإيجابها العدل والسلم والتوافق والتكافل بين الناس على اختلاف فئاتهم وقدراتهم ومكانتهم، وتباين شعورهم بالمسؤولية في الدنيا والآخرة عما اكتسبوا وما أنفقوا. والمال بذلك اختبار وبلاء، يفتن باكتسابه البعض فيؤثرون كنزه ويمنعون تداوله، ويفتن بفقده آخرون فيسلكون لاكتسابه سبل النصب والغش واستحلال الدماء والأعراض. والمال أيضا وسيلة وأداة لتحقيق غايات عالية سامية تسعد الفرد والجماعة في الدنيا وتقرب إلى مرضاة الله في الآخرة، أو لتحقيق مآرب أنانية ضيقة يعقبها شقاء وضنك، وقد أخذ القرآن لهذا الأمر حيطته، فبين ثمرة الاستخدام الطيب للمال بقوله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} البقرة 262، وعاقبة استعماله السيئ بقوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ} الأنفال 36، وقال: {الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ} الهمزة 2/ 4. وزاد الرسول صلى الله عليه وسلم الأمر بيانا فقال: (إنما الدنيا لأربعة نفر: عبدٍ رزقه الله مالا