فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 326

وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل رحمه ويعمل لله فيه بحقه فهذا بأفضل المنازل، وعبدٍ رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق النية ويقول: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فأجرهما سواء، وعبدٍ رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو يتخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعمل فيه بحق، فهذا بأخبث المنازل، وعبدٍ لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو نيته ووزرهما سواء).

إن منشأ الخلل في استعمال المال هو شعور المرء بأنه امتلك ثروته بقدرته وذكائه وعلمه، وجهلُه بأن ما يكتسبه ويحوزه هو في الأصل ملك لله تعالى، ملكية منبثقة من حقيقة ملكيته للكون كله قال عز وجل: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} البقرة 107، وأن علاقته بالمال لا تتجاوز عملية استخلاف للابتلاء والاختبار، قال تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} الحديد 7.

ولئن كان المال وديعة الله عز وجل عند الناس، يستخلفهم فيه فينظر كيف يعملون، فإنه تعالى قد جعل لاستعماله منهجا واضح المعالم، غير سائب ولا ظالم، يحقق هدف الحياة الكريمة المبتغاة في الدنيا، ويحد من جشع القلوب وأطماعها وأهوائها وشهواتها، فلا تجنح به للظلم أو الاستئثار أو التعالي، لذلك كان أشد ما يشقي النفوس المريضة أن يحد منهج الإسلام المتكامل في العبادة والمعاملة والأموال من سائب تصرفاتها وفساد غاياتها، كما يبدو ذلك من موقف قوم مدين إذ: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} هود 87.

هذا المنهج الإلهي الذي أرشد إليه رب العزة تعالى هو الكفيل بتحقيق غاية الوجود المادي في الأرض إعمارا، والوجود المرحلي في الدنيا عبادة لله واقتناء للصالحات واستكثارا، وهو: {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} البقرة 147، لا يزيغ عنه إلا هالك، ولا يعرض عنه إلا شقي، ما سواه برق خُلَّب وسراب يحسبه الظمآن ماء، وباطل يركس في الجحيم.

لذلك ما إن بيَّن تعالى فيما سبق من سورة النساء منهج التصرف في الأموال أداء للحقوق ورعاية للعهود، وإحسانا إلى المستضعفين صغارا وكبارا، ذكورا وإناثا، أحرارا وأسرى، حتى اتجه لنهي المؤمنين عن الاستخدام المحرم للأموال فقال تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} والنداء في هذه الآية الكريمة موجه لكل الذين آمنوا بربهم ورضوا منهج الإسلام للحياة، توثيقا للرباط الذي ربط قلوبهم بالله وتذكيرا بمصدر هذا التشريع المتكامل، و تطهيرا لبقايا رواسب الحياة الجاهلية في المجتمع الإسلامي الناشئ، وهي بذلك أصل عظيم في حرمة الأموال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحلّ مالُ امراء مسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت