فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 326

القسم الثاني من سورة النساء

المنهج الإسلامي قوة متنامية وحصانة متجددة

(من الآية 44 إلى الآية 114)

تمهيد: المنهج الإسلامي قوة متنامية وحصانة متجددة

تتميز الأمة الإسلامية عن غيرها من الأمم نشأة وتطورا وحماية ونظام تدبير عام، ولئن كان مبنى الأمم غير الإسلامية في نشأتها ونظام تدبيرها على الارتباط بالعرق والأرض والمصالح أو بعض المعتقدات الفاسدة والقوانين الوضعية، وكان قيامها بالغلبة السلطانية أو بسطوة الانتخابات الديمقراطية المعززة بالقوة والقهر، وحمايتها وبقاؤها بسطوة الاستخبار والتجسس والسلاح، فإن الأمة الإسلامية غنية عن ذلك كله لأنها تحمل في صميم تكوينها مقومات قوتها ومناعتها وانتشارها ووضوح هدفها واستقامة طريقتها، كل ذلك لأنها في مبدأ أمرها غرست بذرة إيمانية في قلوب الرجال بمختلف أعراقهم وألوانهم وألسنتهم ومصالحهم وأوطانهم، ثم رمت هذه البذرة جذورها في الأرض وأخرجت شطأها ومدت فروعها في الفضاء الرحب، تنشر الفيء والظلال، وتفيض بالثمار والغلال، وهي بذلك مائدة لله في الأرض مهداة بخير عميم، وتعايش حر كريم، وعدالة ومساواة، لا خوف ولا غبن ولا ظلم ولا غصب، للمؤمن وغير المؤمن، للأسود والأبيض والأحمر على السواء.

هذه الأمة الراشدة كما وضع لها رب العزة في الكتاب والسنة نظاما للتدبير العام والحياة السوية، وضع لها أيضا منهجا لتوفير الأمن المادي والمعنوي، والحماية من كل أسباب الاستضعاف بالعجز أو الذلة أو الظلم، سواء في علاقات أفرادها ببعضهم، أو علاقتها مع غيرها من الأمم والشعوب. وطالما تمسكت بهذا المنهج الرباني لا ينالها حيف أو ضيم أو فتنة، وارتقت في مراتب العز والقوة والتمكين والأمن، فإن حادت عما هداها إليه ربها كان الضعف والاستضعاف والذلة والصغار؛ ولنا النموذج الأوفى في جيل الصحابة رضي الله عنهم جميعا، وقد كانوا مستضعفين في مكة لقلة عددهم وقلة ناصرهم فنقلتهم العقيدة ومنهجها للحياة إلى القوة والأمن والغلبة، قال تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} الأنفال 26، كما لنا العبرة في أمم كفرت بأنعم الله فانقلبت قوتها ضعفا وأمنها خوفا، قال عز وجل: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} النحل 112، ولنا التحذير الواضح البين من قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا ضن الناس بالدينار والدرهم و تبايعوا بالعينة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت