منهج تدبير الشأن العام في الإسلام
الآيتان 58 - 59
قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) }
إن ما تمتلكه الأمة الإسلامية بشعوبها وأعراقها من مقومات القوة المادية والغلبة والرقي، وما اختصها الله تعالى به من ثرواتٍ بشرية ومعدنية ومائية وزراعية ومواقعَ استراتيجية وتراث عريق، مما يؤهلها لأن تتبوأ أشرف المراتب وأعلاها بين الأمم، إلا أنها مع كل ذلك كله تعيش مذلة العصر ومهانة التاريخ وعبرة الأمم، لافتقادها الوعي الناهض بمقتضيات دينها والعمل الجاد بمنهجه والأداء الصادق لما حُمِّلَتْهُ من أمانة الإسلام، فكانت حصيلتها من سعي الليل والنهار ما تتجرعه حاليا ولا تكاد تسيغه ويأتيها الموت من كل مكان وما هي بميتة ولا حية.
ولئن كان الوحي الإلهي في الآيات السابقة من سورة النساء قد بين للأمة منهج الإسلام في الاحتماء من أي استضعاف مكتسب داخليا بتصرفات بعض أهلها، أو خارجيا بمكر من أعدائها، وحذر من التفريط في ثوابت الدين اعتقادا وقولا وعملا، ومن الركون إلى المنافقين والمندسين والاستنامة إلى مكرهم والثقة بنصائحهم واتباع أهوائهم بدافع الرهبة أو الرغبة أو لضرورات متوهمة، فإنه عز وجل قد عقب على ذلك كله ببيان منهج للتدبير العام يَلُمُّ متفرق هذه التوجيهات في نظام سياسي متكامل لأمة واحدة، ذات سعي رشيد واحد وهدف رضي واحد، وخطو سديد منتظم وعزم قوي منسجم، فقال عز وجل مبتدئا بأمر عام يفصله ما بعده:
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} وقوله تعالى: {يَأْمُرُكُمْ} أمر من الله تعالى مؤكد بحرف"إن"، صريح الوجوب مثل صراحة النهي عن موالاة المعتدين على المسلمين في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ} الممتحنة 9.
ولفظ: {تُؤَدُّوا} من أصل الفعل"أدَى يأْدِي"، والهمزة والدّال والياء كما قال ابن فارس أصل واحد، وهو إيصال الشيء إلى الشيء، أو وصوله إليه من تلقاء نفسه، ومنه"الأداة"وهي الآلة التي تستخدم