في الحِرَف، يقال: آداهُ على كذا يُؤْديهِ إيداءً، إذا قوّاه عليه وأعانه، وأدَّى ديْنَه تأدية وأداء إذا قضاه، وأدَّى صلاته إذا قام بها، وأَدَّى الشيءَ إذا أَوْصَلهُ، وأدّى الشهادة إذا بلَّغ ما عَلِمه لمن هو أهلُه، وتأدَّى إليه الخبر أي بلَغَه، وأَما قوله عز وجل: {أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} الدخان 18، فهو من قول موسى عليه السلام لآل فرعون ومعناه: سَلِّموا إليَّ بني إسرائيل، ويطلق الأداء مجازًا على قول الحق والاعتراف به والوفاء بما في الذمة من مال أو وديعة أو علم.
ولفظ {الْأَمَانَاتِ} جمع أمانة، من أصل الفعل"أمِن"ويفيد التصديق وسكون القلب وطمأنينته، ومنه الأمن ضد الخوف، والإيمانُ ضدُّ الكفر والإيمان بمعنى التصديق ضد التكذيب، والأمانة ضد الخيانة، والأمانة أيضا هي الوديعة، اسم لما يؤتمن عليه الإنسان مالا أو حقوقا أو أسرارا وهو أمين عليها، كما في قوله تعالى: {لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} الأنفال 27، وهي أمانة الإسلام عقيدة وشريعة، وفي الحديث: (المؤذن مؤتمن) أي أن المؤذن أمين الناس على صلاتهم وصيامهم.
وقوله تعالى: {أَهْلِهَا} يعني أهل الأمانة وهم مستحقّوها، كما يقال: أهل الدار أي أصحابها. وقد ذكر الواحدي في أسباب النزول أنّ الآية نزلت يوم فتح مكة إذ سَلَّم عثمان بن طلحة مفتاح الكعبة للنبي صلى الله عليه وسلم وكانت سدانة الكعبة بيده، فسأله العباس بن عبد المطلب أن يجعل له سدانة الكعبة يضمها مع السقاية التي كانت بيده، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن طلحة وابنَ عمّه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، فدفع لهما مفتاح الكعبة وتلا قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} ، وقال لهما: (خذوها خالدة تالدة لا ينتزعها منكم إلاّ ظالم) ، وعلى هذا فلفظ"الأمانة"في الآية مستعمل في معناه الحقيقي، لأنّ عثمان سلّم مفتاح الكعبة للنبي عليه الصلاة والسلام دون أن يُسقط حقّه فيه، ولفظ"الأداء"بذلك على الحقيقة متعلق بذاتٍ يمكن إيصالها بالفعل لمستحقّها، وعموم الأمر به إلزام بإيصال جميع الأمانات إلى مستحقيها، وإيجاب للوفاء بكل ما في ذمة المرء من حقوق، قال صلى الله عليه وسلم: (لَتُؤَدُّنَّ الحقوق إلى أهلها، حتى يُقتصَّ للشاة الجَمّاء من القَرناء) ، ولا شك أن ذروة سنام الأمانات هي الأمانة الكبرى التي واثق الله عز وجل بها فطرة الإنسان بقوله: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} الأعراف 172، وقوله: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} الأحزاب 72، وأول هذه الأمانات حق الله على الناس وهو التوحيد والعبادة، ثم حق