النفس على صاحبها وهو تطهيرها وتزكيتها وجلب المنافع المشروعة لها ودفع الأضرار عنها، وحق العباد وهو الإحسان إليهم وترك أذاهم، ونصحهم في دينهم ودنياهم.
إلا أن ما ورد عقب هذه الآية من ذكر للحكم والتحاكم، وطاعة لله تعالى ورسوله، وطاعة لأولي الأمر في حالة الوفاق، والرد إلى الكتاب والسنة في حالة التنازع، قرينة قوية على ارتباطها بالشأن العام داخل الأمة الإسلامية، فصلَ قضاء ونظامَ تدبير وتسيير وتشريع. وكان المدخل إلى ذلك الأمر بأداء الأمانات في حال الامتثال والوفاء، والأمر بالعدل في حال التناكر والتنازع واختلال الأخلاق في المجتمع، بقوله تعالى عقب ذلك:
{وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} والحكم لغة من الألفاظ التي يتحد لفظها ويتكثر معناها لغة واصطلاحا، وهو مصدر قولك: حَكَمَ بينهم يَحْكُمُ أي قضى، ومنه قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} الإسراء 23 أي حكم، ومنه قولك:"قد حَكُم"بضم الكاف، أي صار حكيمًا، و"الحكيم"هو المتقن للأمور، وقوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} مريم 12، أي علما وفقهًا؛ وإذا ما استعرضنا أوجه الاستعمال القرآني للفظ"الحكم"ومشتقاته، نلاحظ أنه لم يستعمل قط بمعنى التحكم في الناس ومصادرة حريتهم في تسيير أمرهم الجامع، وإنما ورد بمعنى القضاء بينهم والفصل في أمورهم والبث في منازعاتهم كما في هذه الآية، وأن وقوعه دائما يكون على القضية موضوع الحوار أو البحث أو الخلاف أو التنازع أو التصرف، لا على الشخص ذي العلاقة، من أجل الوصول إلى حل أو منهج أو قضاء بإلزام أو إطلاق. وهذا يبعد ما ذهب إليه الفقهاء والمتكلمون في فقه الأحكام السلطانية، من أنه حكم على الناس من قبل حاكم، رئيسا كان أو ملكا أو أميرا.
والعدل: ضدّ الجور، وهو في اللغة التسوية والقضاء بالحق فيما يعرض للمرء من أمر نفسه أو أمر غيره، يقال: عَدَل كذا بكذا، أي سوّاه به ووازنه عدلًا، وقوله تعالى: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} الأنعام 1، معناه أن المشرك يسوي بربه تعالى غيرَه - تعالى الله عن ذلك عُلُوًَّا كبيرا-.
والعدل المأمور به في هذه الآية الكريمة هو عماد النظام القضائي في الإسلام، أي الحكم [[1] ]بالكتاب والسنة في جميع ما يعرض للأمة من قضايا، لما قاله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} النساء 105، وهو كذلك عماد العلاقات السوية بين الناس
(1) - الحكم في علم القضاء هو الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام. قال القرافي:"حقيقة الحكم إلزام أو إطلاق، فالإلزام كما إذا حكم القاضي بإلزام الصداق والنفقة، والإطلاق كحكمه بزوال المِلك في الأرض التي زال عنها الإحياء".