فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 326

تمهيد

فقه الاستضعاف وتشريع لجم الاستقواء والطغيان

لا تتميز الأمة الإسلامية عن غيرها إلا بكونها مجموعة أفراد وأسر وقبائل وأعراق تم انصهارها في بوتقة القرآن الكريم، فأصبحت جسدا واحدا إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، جسدا حياته بالقرآن الكريم ومماته بالابتعاد عنه؛ نور القرآن يسري فيه ويحركه وينهض به لما خلق له من عبادة ربه وما يؤول إليه أمره في الآخرة، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} الشورى 52، وقال: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} الأنعام 122.

ولئن كان القرآن الكريم وحيا من الله تعالى لهذه الأمة الإسلامية التي اختيرت لإمامة البشرية وهدايتها والشهادة عليها، فلا بد أن يسري نوره في جسدها كله لا يدع فيه عضوا إلا بعثه من موات أو نبهه من غفلة، أو هداه وأنقذه من تيه وضلال، لذلك تتوالى سوره وآياته تتناول بالبناء والتحصين جسد الأمة في أدق جزئيات تكوينه المادي والنفسي والمعنوي، فلا يكاد يتم تنزيله متلوا إلا وقد قام في حياة الناس قرآنا يسعى في البيت والشارع والمؤسسة والدولة.

نلحظ هذه الميزة كلما أوغلنا في القرآن الكريم متتبعين آياته وسوره مستقرئين منهجه في بناء الأمة الإسلامية بناء متكاملا لا يدع خللا إلا سده، ولا نقصا إلا أتمه، ولا عيبا إلا أصلحه ولا ساحة من ساحات الحياة إلا غشيها وسكب عليها من نوره وعبق عطره ولذاذة وِرده ومتانة مأخذه.

ولئن تناول المنهج القرآني في سورة البقرة سبل إعداد الأمة الإسلامية للاستخلاف والإمامة تصورا إيمانيا واضحا، ومنهج حياة كريمة، ونظام مجتمع رشيد، ثم تناول في سورة آل عمران بالتوضيح والبيان أركانَ الحصانة في الأمة وعُمُدَ مناعتها وأسس قواعدها، وسنام فسطاطها، فإنه في سورة النساء قد تغلغل في أعماق المجتمع الإسلامي أفرادا وأسرا وعلاقات وتشريعات تحفظ الأمة من أي انهيار ذاتي أو انهدام داخلي تسببهما بقايا من جاهلية كامنة، أو اتصال غير واع بمجتمعات ضالة. والسورة بذلك لبنة لا بد منها لمواصلة البناء، وبلسم ضروري للوقاية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت