في معاملاتهم اليومية، لأنه حق في ذمة كل شخص نحو غيره، كل امرئ مطالب بالعدل في جليل القضايا وصغيرها، وقد رأى الإمام علي رضي الله عنه غلامين يتحاكمان إلى ابنه الحسن ليحكم بينهما، أيُّ خطيهما أحسن من الآخر، فقال له:"يا بني انظر كيف تقضي، فإن هذا حكم والله سائلك عنه يوم القيامة".
ولا يخفى أن العدل هو قوام الأمر كله في الحياة الدنيا وصمام الأمن والتعايش السليم بين الناس جميعا، مختلفين أو مؤتلفين، أحبابا أو أعداء، لا فرق بين مسلم وغير مسلم، أسود أو أبيض أو أحمر أو أصفر، ويعني في عموم معانيه المساواة في تعيين الحقوق والواجبات توثيقا وقانونا، وفي تنزيلها على واقع الناس عملا وتنفيذا، والمساواة في التمتع الإيجابي بالحرية، حرية الرأي وحرية الاختيار، وحرية الكسب والإنفاق والتنقل والاستقرار، وحرية طلب العلم والسعي لتوفير الحياة الكريمة وتأسيس الأسرة السوية، لذلك عقب الحق تعالى محرضا على الامتثال لأمره بأداء الأمانات وإقامة العدل ومبينا فائدة ذلك بقوله:
{إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} ولفظ"نِعِمَّا"أصله:"نِعْمَ مَا"، سُكِّنت الميمُ الأولى، وأدغمتْ في الثانية، وحُرِّكَتِ العينُ لإلتقاء الساكنَيْنِ، وخُصَّتْ بالكَسْر إتباعًا للنُّون، والمعنى أن ما وجهكم الله تعالى إليه في هذه الآية هو نعم النصيحة التي تستقيم بها حركة الحياة، والموعظة التي تكفُل الأمن في المجتمع، والتذكير الذي ينبه الغافلين، فاحرصوا عليه وأشيعوه بينكم، ولا تنسوا أنه تعالى يراقب أعمالكم ويسمع أقوالكم ويعلم مدى أدائكم للأمانات وإقامتكم للعدل {إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} .
ولئن كان الأمر بأداء الأمانات وإقامة العدل موجها لكافة أفراد الأمة، ومنبثقا من صميم إيمانها بربها عز وجل وما أتى به رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن الحاجة إلى بيان منهج رباني عام شامل ينسق الجهود في هذا الشأن أصبحت ضرورية، إذ لا جدوى من محاولة المحافظة على الأمانات أو إقامة العدل في ظل فوضى الأنظمة الوضعية المبنية على اجتهادات بشرية قصيرة النظرة قاصرة العلم والفهم، متقلبة الأمزجة متضاربة المصالح والغايات، لذلك شرع الوحي في تأسيس أولى لبنات منهج الإسلام في تدبير الشأن العام للأمة مستندا إلى ما ألزمت به نفسها من إيمان وإسلام لا يكونان صادقين إن لم يثمرا طاعة لله ورسوله، فقال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} إن هذا المنهج الرباني مبني أولا على طاعة الله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ} ، إذ ما دامت الأمة قد آمنت به فقد أوجبت على نفسها طاعته ولذلك خاطبها الحق سبحانه بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ، ومبني ثانيا على طاعة رسوله صلى الله عليه