فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 326

وتبعوا أذناب البقر و تركوا الجهاد في سبيل الله أدخل الله تعالى عليهم ذلا لا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم).

ولئن أمر رب العزة تعالى أمة الرسالة المحمدية بأن تتحصن ضد الهوان والاستكانة وأن تكون عصية على الاستضعاف بقوله: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} آل عمران 139، فإنه تعالى قد وضع لها ما يحقق ذلك في سورة النساء، فكان القسم الذي سبق تفسيره منها (من الآية 1 إلى الآية 43) منهجا لحماية علاقة أفراد المجتمع المسلم من استضعاف بعضهم لبعض أو ظلم فئة منهم لفئة، أما القسم الثاني (من الآية 44 إلى الآية 114) فقد وضع منهجا عاما لحماية الأمة كلها من أي استضعاف مكتسب داخليا بتصرفات بعض أهلها، أو خارجيا بمكر من أعدائها.

لقد حوى هذا القسم بجميع آياته الكريمة من التعليمات الربانية بصريح العبارة وواضح التلميح والإشارة ما هو كفيل بقيام أمة عزيزة الجانب مهيبة الجناح عصية على الذلة والاستضعاف، كما احتوى على ثلاث آيات بينات لم يرد مثلها في غير سورة النساء، إحداها تحرض على الدفاع عن المستضعفين الرافضين للظلم، واثنتان تنددان بالاستضعاف وتعدان الركون إليه ظلما للنفس مؤديا إلى جهنم، قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} النساء 75. وقال: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} النساء 97/ 98.

إن الأمة قد تنتابها حالات من الشعور بالضعف أمام من يتربص بها الدوائر من داخل حصونها أو من خارجها، وقد تنهار مقاومة الضعفاء منها أمام ضغوط الأقوياء من أصحاب المصالح، وقد يستضعف المرء نفسه معتقدا أو متوهما أنه لا يملك قوة للثبات على الحق والتصدي للباطل ومواجهة العدو، ولكن هذا كله لا يقبل عند الله مبررا للركون إلى الاستضعاف والذلة والخنوع والاستسلام للظلم والاستجابة لرغبات الأقوياء المتسلطين، أو عذرا للوقوع في الشرك والكفر وإنكار المعلوم من الدين بالضرورة، أو خيانة الأمة أو التجسس عليها أو موالاة أعدائها.

إن النتيجة الحتمية في الدنيا لهذه المشاعر الانهزامية في الفرد والجماعة ليست إلا العجز والشلل والخضوع والانقياد للعدو، أما عاقبتها في الآخرة فقد بَيَّنَها قوله تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت