مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ 3، وقوله عز وجل: {وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} سبأ 33.
وهذا الجزء من سورة النساء يقدم لنا علاجا شافيا لكل حالات الاستضعاف المادي والمعنوي الحقيقى والمتوهم، مما قد ينتاب الأمة ويعوق تقدمها ويعرقل طريقها، وهو في نفس الوقت جولة أخرى متممة لما سبقه من أجل تثبيت الملامح الإسلامية في حياة المسلم وتطهير المجتمع والنفوس من رواسب الجاهلية وأدرانها.
تبدأ هذه الجولة العلاجية الوقائية بالتذكير والتنبيه والتحذير، تذكيرا بالقاعدة الأساس التي ينبني عليها أمر الأمة في الدنيا والآخرة وهي العقيدة، وتنبيها إلى أهمية الاشتغال بالدعوة إلى الإسلام والاستعلاء بالإيمان وأثر ذلك في قوة الأمة وحمايتها وتوسيع رقعتها، وتحذيرا من الشرك والمشركين ومختلف الفئات المتربصة التي عرفت قوة الإسلام في نفوس المسلمين وسر انتصاراتهم فأخذت تحاول إضلالهم حسدا لهم ومكرا بهم وإضعافا لصفهم، قال تعالى:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا} النساء 44/ 45 ..
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} النساء 47/ 48.
وبعد الإشارة إلى آفة الغرور وتزكية النفس وما في ذلك من خرم للمروءة وفتنة للصف وإحباط للعمل عرج الوحي الكريم على أعظم قواعد حماية البيضة وقمع الفتن وتوحيد الصف وهي إقامة العدل وأداءُ الحقوق وطاعةُ الله وطاعةُ الرسول وقادةِ الأمة الموكلين بتنفيذ قراراتها وتدبير أمرها العام، وردُّ الاختلاف في حالات النزاع والفتنة إلى الكتاب والسنة، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} النساء 58/ 59.