ثم يمضي القرآن في عرض الأساليب التي يلجأ إليها المنافقون لتخذيل الصف المسلم وتوهينه، وكشف دواخل قلوبهم وبيان أن الإيمان الصادق يقتضي الطاعةَ المطلقة لما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم وحكم به، والتسليمَ لما قضى به.
ويعقب بواجب جهاد الدفع والمدافعة عن حياض الأمة أرضا وشعبا ومستضعفين محتاجين إلى النصرة والتخلص من نير البغي واستبداد الأقوياء الظلمة، مميزا بين صنفين من القتال، صنف يراد به نصرة الحق وأهله وصنف يراد به نصرة الباطل وأوليائه. ومبينا أن الموت الذي يفر منه الجبناء حق يدرك المرء بأجله لا يرده حذر ولا يصده جبن ولا يعجل به قتال، وخير للمؤمن إذا جاءه أمر من الأمن أو الخوف أن لا يفتن به الصف أو يوهن به العزائم وإنما يرده إلى قادة الأمة وحكمائها الذين يستنبطون العبرة ويضعون الحلول الناجعة.
ثم ينتقل الوحي الكريم إلى معالجة حازمة مفصلة لمعضلة المنافقين في الصف المسلم وكيفية معاملتهم بما يقمع مكرهم ويكف بأسهم ويرد كيدهم ويحفظ للأمة أمنها وقوتها وسلامة صفها من الوهن والضعف والاستضعاف. ولكنه يعقب بضرورة التبين وعدم الإقدام على قتل المؤمن خطأ أو للشك في إيمانه، أو على قتل ذوي العهود والمواثيق من غير المسلمين، أو على القتل العدواني مطلقا، مرتبا على ذلك ما يستوجبه من كفارة ودية وتوبة، أو يؤدي إليه من غضب الله وخلود في جهنم.
وبعد التحريض على الجهاد بالمال والنفس وبيان فضل المجاهدين على القاعدين، يعرض أحكام الاستضعاف المبرر وغير المبرر، وما يقتضيه من استنفار للقوة ونصرة للمستضعفين أو هجرة بالدين تغييرا للمواقع وتحيزا إلى فئة نصرة وولاية، وما يستتبع ذلك من أحكام الصلاة في السفر والأمن والخوف، وأحكام الحرب وقوانينها، ويختم بضرورة الحذر من الخونة والمتآمرين وعدم المجادلة عنهم والتماس الأعذار لهم لعظيم ما يرتكبونه في حق الدين وأمة الإسلام {وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} النساء 107/ 109).
كل هذا ضمن منهج متكامل لتربية الأمة وتأهيلها، وترقية حكمتها وتعميق خبرتها في التعامل مع مستجدات البناء ومتغيرات الأحوال، وتطهير الصف من رواسب الجاهلية وتأثيرات المعسكرات المعادية، وتقوية مناعته ضد عوامل الضعف والاستضعاف، جبنا كانت هذه العوامل أو استرخاء أو