فهرس الكتاب

الصفحة 224 من 326

إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ التوبة 92، وقد روي من غيرِ ما طريق عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه أنه قال: كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشِيَتْه السكينةُ فوقعت فخِذُه على فخذي حتى خشِيتُ أن ترُضَّها ثم سُرِّيَ عنه فقال: (اكتبْ) ، فكتبتُ: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} {وَالْمُجَاهِدُونَ} ، فقال ابنُ أمِّ مكتومٍ وكان أعمى:"يا رسول الله وكيف بمن لا يستطيع الجهادَ من المؤمنين؟"فغشيتْه السكينةُ كذلك ثم سُرِّي عنه فقال: اكتب: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ} أي: إلاّ أولي الضرر من الذين يتمنون الخروج للجهاد ولا يستطيعونه، فإن أجرهم يساوي أجر المجاهدين، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم عند انصرافه من بعض غزواته: (لقد خلفتم بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، أولئك أقوام حبسهم العذر) وقوله: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له من الأجر مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا) ، إلا أن مساواتهم بالمجاهدين مشروطة في آية أخرى هي قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} 91/ 92،

أما الطائفة الثالثة من المؤمنين فهم المجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، المجاهدون بأموالهم توفيرا لأدوات الجهاد وتجهيزا للغزاة وإنفاقا على جرحى المحاربين وأرامل الشهداء وأبنائهم، ومساهمة مالية في المجهود الحربي العام من غير أن يُعْفَوْا من المشاركة عمليا في القتال ما استطاعوا، والمجاهدون بأنفسهم استرخاصا لها في ساحات الوغى، وصبرا على بأساء المعارك وضرائها عند اللقاء، واستبشارا بما وُعِدوه من ربهم نصرا مؤزرا وفتحا قريبا، أو شهادة تغفر بها الخطايا والذنوب ونقلة كريمة إلى حياة هنيئة عند ربهم يرزقون فيها بغير حساب {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} آل عمران 169.

أما الجهاد المأمور به في هذه الآيات الكريمة فهو لغة من فعل"جَهَد يجهَد"، ويدل على المشقَّة وبذل الطاقة والوسع، من قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ} التوبة 79، وقوله: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ} النور 53، أي: حلفوا واجتهدوا في الحلف أن يأتوا بما أمروا به على أبلغ ما في وسعهم. والجَهْدُ ما جَهَد الإِنسانَ من مرض أَو أَمر شاق، والجَهاد بفتح الجيم الأَرض الصلبة والتي لا نبات بها، والاجتهاد: أخذ النفس ببذل الطاقة وتحمل المشقة، يقال: جهدت رأيي، وأجهدته: أتعبته بالفكر، والجِهاد والمجاهدة: استفراغ الوسع والطاقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت