أما الجِهاد شرعا فهو مدافعة عدوان الكفر والشرك ومختلف ضروب الانحراف عن الدين ومكافحة الضعف عن القيام بأمر الله في جميع مجالات البناء والتشييد تربية وعلما واقتصادا وصناعة وقوة، من قوله تعالى: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} الفرقان 52، أي: جاهدهم بالقرآن تبليغا وتفهيما وتوعية وإقناعا ومجادلة بالحسنى جهادًا تبلغ فيه أقصى غاية وُسْعِك. وقوله: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} العنكبوت 69، أي والذين بذلوا أقصى جهدهم في مرضاة الله عبادة ودعوة إلى الأعمال الصالحة لَيُرْشدنَّهُم ربهم إلى سبل الجنة، ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) .
لذلك جعل الله تعالى فريضة الجهاد خير عبادة، يبيع فيها المؤمن لربه أعز ما لديه، روحَه التي بين جنبيه، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ} التوبة 111، وجعلها أشرف وأعلى وأغلى قربة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل المجاهد في سبيل الله مثل الصائم القائم الدائم الذي لا يفتر عن صلاة ولا صيام حتى يرجع) ، وقال: (والذي نفسي بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل) ، وسُئِل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ العمل أفْضَل؟ قال: (إيمان بالله ورسوله) ، قيل: ثم ماذا؟، قال: (الجهادُ في سبيل الله) ، قيل: ثم ماذا؟ قال: (حَجّ مبرور) ، وجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دُلَّنِي على عمل يعدِل الجهاد قال: (لا أجده، هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخلَ مسجدا فتقومَ لا تفتر وتصومَ لا تفطر) ، قال: لا أستطيع.
وقد اختلف الفقهاء حول مشروعية الجهاد في الإسلام ما بين كونه فرض عين أو كونه فرض كفاية، وكاد الإجماع ينعقد على أنه فرض كفاية إن قام به البعض سقط عن الآخرين، فأدى هذا الاجتهاد إلى تكوين جيوش نظامية متعيشة بالخدمة، ساهمت في حماية الظلم والظالمين ونشرت الفساد في مجتمعات المسلمين، وانصرف عامة الأمة إلى الدنيا يلهثون خلفها موكلين أمر حمايتهم إلى جيوشهم النظامية الفاسدة، فحق فيهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) . ولو تأملوا قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} التوبة 36، لعلموا أن الجهاد فرض عين على كل مسلم ومسلمة، أما قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} التوبة