فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 326

122 فليس إباحة للتنصل من واجب الجهاد ولكنه إعداد علمي له، لا يعفي المتفرغين للعلم من حمل السلاح بأي وجه من الوجوه. بل إن قوله صلى الله عليه وسلم: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق) صريح في أنه فرض عين على كل مسلم ومسلمة، كل منهم مطالب به حسب استطاعته، بالقلب، أو باللسان أو بالمال، أو باليد، لا سيما وقد كان النساء يخرجن مع الرسول صلى الله عليه وسلم في الجهاد، منهن أم عطية وقد غزت سبع غزوات، تداوي الجرحى والمرضى وتصلح الطعام، وأم أنس بن مالك التي قاتلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين حين انهزم عنه الناس، وحري بالمسلمين في هذا العصر إن قامت لهم دولة ألا يتخلفوا عن الجهاد مهما كانت الأعذار والمبررات، لأن تطور الأسلحة الحديثة والأجهزة الإلكترونية بالغة الدقة يسرت المشاركة في الجهاد الحربي حتى لكثير من الزمنى [[1] ]والمعطوبين.

إن الوجوب العيني للجهاد يلزم الأمة كلها بأن تكون مؤهلة له، مدربة عليه، تنتظر كل لحظة أمره، وأن يكون المجتمع الإسلامي بنظمه وصناعاته ومؤسساته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والاجتماعية مجتمعا جهاديا قادرا على الدفاع عن الأمة بتماسكه وانضباطه واستعداده المادي والمعنوي. وهو ما كان عليه المسلمون في العهد النبوي وزمن الخلافة الراشدة، إذ كان يكفي نداء: (يا خيل الله اركبي) لتُسْرَج الخيل وتمتلئ ساحات الجهاد وميادين الاستشهاد، وذلك قبل أن يستبد بهم الملوك ويحكموهم بالسيف والنطع على يد الجيوش النظامية المتعيشة. وهذا لا يعني أن لا يكون للأمة أيضا جيش عقدي طليعة، مواز ومرابط بإزاء العدو في الثغور، متحفز للرد السريع على أي عدوان قبل أن تلحق به جحافل مجاهدي عامة الشعب.

أما ما أصبح يندفع إليه تحت مسمى الجهاد بعض أغرار الشباب المتحمس عدوانا على الأبرياء والمسالمين رجالا ونساء وأطفالا ومرضى، فليس إلا تلبيسا لبسوه على أنفسهم وليس من الجهاد في شيء. لأن الجهاد الحق لا بد له من دولة تنظمه وتوجهه وتتبين وسائله وأهدافه ومراميه، وتنظم فصائله وكتائبه، وتتحمل تبعا لذلك مسؤوليته سلبا وإيجابا.

إن الجهاد في الإسلام لا يعني الفوضى والتسيب والتشرذم والمبادرات الفردية التخريبية المتلبسة بلبوسه، ولكنه يعني الانضباط التام بطاعة القيادة المركزية، وبأحكام الشريعة المتعلقة بزواجِرِ العدوان قصاصا وحدا وتعزيرا، ورَوَادِعِ كل استخدام منفلت للسلاح، تباهيا أو ابتزازا أو إرهابا. وقد روي عن زيد

(1) - الزَّمْنَى: جمع زَمِن وزمين مثل جريح وكليم جمع جَرْحَى وكَلْمَى، والزمِنُ هو المصاب بعاهة أو مرض مُزْمِن يعوقه عن الجهاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت