بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لأصحابه ذات يوم وهو مستقبل العدو: (لا يقاتل أحد منكم) ، فعمد رجل منهم فرمى العدو وقاتلهم فقتلوه، فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم:"استشهد فلان"، فقال: (أبعد ما نهيت عن القتال؟) قالوا:"نعم"، قال: (لا يدخل الجنة عاص) ، وفي غزوة تبوك قال صلى الله عليه و سلم: (لا يخرج معنا إلا رجل مُقْوٍ) [[1] ]، فخرج رجل على بَكْرٍ له ضعيفٍ فصرعه فمات، فقال الناس:"الشهيد الشهيد"فأمر النبي صلى الله عليه و سلم بلالا أن ينادي في الناس: (الجنة لا يدخلها عاص) .
وبعد أن ميز الحق سبحانه بين المجاهدين والقاعدين بالتفاوت في الفضيلة والنصرة والأجر شرع في تفصيل ذلك وبيان كيفيته وكميته فقال تعالى:
{فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} والدرجة لغة إحدى مراتب البناء تتخطاها القدم صعودا، ومجازا الرفعة في المنزلة، وهي في هذه الآية جنس معنوي لا أفراد له، مستعارة للعلوّ في الفضل ووفرة الأجر، لذلك أعيد التعبير عنها للتأكيد في الجملة بعدها بصيغة الجمع بقوله تعالى: {دَرَجَاتٍ منْهُ} لأنّ الجمع أقوى من المفرد. والمعنى أن الله فضل المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على المؤمنين القاعدين الأصحاء في درجة القرب منه، لاستوائهما في الإيمان والعمل بما دون الجهاد، وفي علو المقام لديه بالجنة لقوله تعالى عقب ذلك: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} أي: كلا الطائفتين تدخلان الجنة مع تفاوت بينهما في الدرجة.
ثم بين الحق سبحانه طبيعة هذه المرتبة التي فضل بها المجاهدين على القاعدين غير أولي الضرر فقال:
{وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} أي: ثوابًا جزيلًا، ثم فسر هذا الأجر العظيم بقوله عز وجل: {دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً} . وقد روي في مقدار الدرجة عن ابن مسعود أنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: (من رمى بسهم فله أجره درجة) فقال رجل: يا رسول اللّه وما الدرجة؟ قال صلّى اللّه عليه وسلّم: (أما إنها ليست بعتبة أمك، ما بين الدرجتين مائة عام) ، وفي الصحيحين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء و الأرض، فإذا سألتم الله فَسَلُوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة) . ولئن كانت درجات الآخرة - وهي
(1) - فرس مُقْوٍ أي: قويٌّ، ورجل مُقْوٍ: ذو دابة قَوِيّة، وأَقْوَى الرجلُ فهو مُقْوٍ إِذا كانت دابته قَوِيَّة، يقال فلان قَوِيٌّ مُقْوٍ، أي قَوِي في نفسه وقوِي في دابته.