فهرس الكتاب

الصفحة 228 من 326

المقصودة في الآية - مبنية على درجات المؤمن في الدنيا إيمانا وعملا صالحا، فإن المجاهدين بالمال والنفس في أعلى درجات الآخرة، قال تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} الإسراء 21،

وما دام فضل الله عظيما لا يحيط به إدراك وكرمه لا يحده عطاء فقد شفع هذه الدرجات بما هو أتم للنعمة بقوله: {وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} تجلى الحق سبحانه على أهل هذه الدرجات باسمين من أسمائه الحسنى، الغفور الرحيم، فأضفى عليهم مغفرة تامة لذنوبهم مهما تعاظمت، ورحمة واسعة لا ينالهم معها رهق أو حزن، زيادة فضل وكرم منه تعالى كما قال في آية أخرى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} يونس 26.

ولما تبين الحكم الشرعي في أمر هذه الطوائف الثلاث من المؤمنين، طائفة القاعدين من أولي الضرر، وطائفة القاعدين بدون عذر، وطائفة المجاهدين بأموالهم وأنفسهم، ممن كانوا زمن البعثة بالمدينة وممن يكونون في كل عصر ومصر، التفت الوحي الكريم إلى طائفة رابعة متخلفة في مكة، أسلمت سرا ولم تهاجر ففتنهم المشركون وأجبروا بعضهم على الردة وعبادة الأصنام، وجندوا كثيرا منهم مكرهين في غزوة بدر ضد الرسول صلى الله عليه وسلم فقتل بعضهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما:"كان ناس من أهل مكة قد أسلموا وكانوا مستخفين بالإسلام فلما خرج المشركون إلى بدر أخرجوهم مكرهين، فأصيب بعضهم يوم بدر مع المشركين فقال المسلمون:"أصحابنا هؤلاء مسلمون أخرجوهم مكرهين فاستغفِروا لهم"، فنزل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} الآية"، وعن عكرمة قال:"كان ناس بمكة قد أقروا بالاسلام فلما خرج الناس إلى بدر لم يبق أحد إلا أخرجوه فقتل أولئك الذين أقروا بالاسلام فنزلت فيهم الآية".

حال هذه الطائفة التي آثرت البقاء تحت سلطة غير المسلمين، تكررت عشرات المرات في تاريخ المسلمين الطويل على أرض الواقع، خلال فترات الضعف والتخاذل والتراجع العقدي والحضاري الذي انتاب الدولة الإسلامية في الأندلس وجزر الأبيض المتوسط وبلاد البلقان وغيرها، إذ قتل من قتل من المسلمين وهاجر من هاجر وارتد من بقي في حضن الكفار إيثارا للبقاء أو عجزا عن الهجرة، في مثل هؤلاء وأمثالهم يتابع الوحي الكريم بقوله تعالى:

{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} ، وقوله تعالى: {الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ} أي: المسلمون الذين تتوفاهم الملائكة وتقبض أرواحهم بأمر الله عند الموت في أي عصر، في عصر البعثة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت