مثل هذا الرجل الذي نطق بالشهادة وقتلتموه وأخذتم غنمه، وكنتم مثله تستخفون بإيمانكم في قومكم فلما اطمأن إليكم ونطق بالشهادتين تأولتم ذلك وقتلتموه، وكنتم أول عهدكم بالإسلام لا تعلمون من الدين إلا القليل، فمن الله عليكم وأسبغ عليكم فضله وقوى إيمانكم وثبتكم عليه وأعانكم على العمل به، وعلمكم رسوله صلى الله عليه وسلم الكتاب والحكمة، فقتلتم صاحبكم ولم تمهلوه لينهل مما نهلتم، عليكم أن تتذكروا ماضيكم فتفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم، وأن تقبلوا منهم ظاهر القول، وألا تؤولوا إسلامهم بالخوف من السيف. {فَتَبَيَّنُوا} فتثبتوا في أموركم كلها ولا تتعجلوا في حكم أو تصرف، واحذروا الدماء فلا تسفكوها بالشبهة، فقد كان الخطأ في ترك هذا الرجل خيرا من الخطأ في قتله {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ} بأعمالك الظاهرة والخفية ونواياكم ما أعلنتم منها وما أسررتم {خَبِيرًا} يعلم مبادئها وكيفياتها ومآلاتها وما تستحقه من ثواب أو عقاب، فاحفظوا أنفسكم ولا تتهافتوا في الدماء وتسارعوا في القتل دون تبين.
إن التقاتل بين المسلمين مما يخرب جبهتهم الداخلية ويشغلهم بالفتن عن البناء والمدافعة فلا تثبت لهم به قدم ولا تقوم لهم راية ولا تجمع لهم كلمة، ورب قتلٍ لرجل واحد خطأ أو عمدا أو تأولا أوقد نارا لا تكاد تنطفئ، ورب حرب أثارتها كلمة منفلتة أو رأي منفلت أو فتوى جاهلة، وما نزل الوحي إلا ليعلمنا الكتاب والحكمة، ومن الحكمة أن يتثبت المؤمن في أمره كله، وألا يقدم على قول أو عمل حتى يتبين رشده من ضلاله، ويتبصر صوابه من غيه، ويتفهم مبتدأه ومنتهاه، ويستيقن منه سلامة دينه ودنياه، في حالات السلم كما في حالات الحرب، وفي ظروف الخوف كما في ظروف الأمن. لذلك أصر الوحي على الكلمة الطيبة ينشرها المسلمون فيما بينهم، والسلم الاجتماعي يعزز أواصرهم ببعضهم، وأخوة الإيمان تؤلف بين قلوبهم، قال تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} الإسراء 53، ولذلك أيضا حرم الحق سبحانه في هذه الآيات الكريمة القتل والتقاتل بين المسلمين ابتداء وانتهاء وجعل لكل ما يقع بينهم كفارة وجزاء.