فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 326

بأنهن كبائر لا ينفي ما عداهن، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يذكر لكل سائل ما هو محتاج إليه منها، فقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم سئل: يا رسول الله وكم الكبائر؟ فقال: (هي تسع، أعظمهن الإشراك بالله، وقتل المؤمن بغير حق، والفرار من الزحف، وقذف المحصنة، والسحر، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتًا، لا يموت رجل لم يعمل هؤلاء الكبائر ويقيم الصلاة ويؤتى الزكاة إلا رافق محمدًا في بحبوحة جنة أبوابها مصاريع الذهب) ، كما ورد في روايات أخرى أن منها اليمين الغموس وقول الزور. قال ابن عبَّاس وغيره:"الكبائر كل ما ورد عليه وعيد بنار أو عذاب أو لعنة أو ما أشبه ذلك"، والذي عليه جمهور العلماء أن الإصرار على الصغيرة كبيرة أيضا؛ أما السياق الذي وردت فيه هذه الآية الكريمة فيشير إلى أن هذه الكبائر هي جميع المنهيات الواردة في سورة النساء من أولها إلى الآية الثالثة والثلاثين، وهو ما ذهب إليه ابن مسعود إذ قال: (افتتحوا سورة النساء فكل شيء نهى الله عنه حتى ثلاث وثلاثين آية فهو كبيرة) . ومن حيث الحكم الشرعي يترتب على ارتكاب الكبائر أحكام منها: وجوب التوبة عند اقترافها، ومنها أنّ تركها يكفر الصغائر، ومنها سلب العدالة عن مرتكبها، ومنها وجوب تغيير المنكر على المتلبّس بها، ومنها نقض حكم مرتكبها من القضاة، ومنها جواز هجران المتجاهر بها.

هذه الكبائر وغيرها مما ورد منثرا في الكتاب والسنة من اجتنبها من المؤمنين مخاطب بقوله تعالى بعدها: {نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} ، ولفظ {نُكَفِّرْ} من أصل الفعل"كفر"والكاف والفاء والراء كما قال ابن فارس"أصلٌ صحيح يدل على معنى واحد هو الستر والتَّغطية، فيقال لمن غطّى دِرعَه بثوبٍ: قد كَفَر دِرعَه"، وعلى ذلك فالكفر هو الستر، والتكفير هو تغطية للذنب وإماطة لعقابه، بخلاف الإحباط الذي هو تغطية العمل وإماطة ثوابه. والمعنى أن من تاب عن ارتكاب المنهيات محا الله سيئاته وغطاها بعفوه وكرمه ورحمته وأدخله مدخلا كريما هو الجنة، قال تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} الفرقان 70، وروى أبو هريرة وأبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر ثم قال: (والذي نفسي بيده) ثلاث مرات ثم سكت، فأكب كل رجل منا يبكي حزنا ليمين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (ما من عبد يؤدي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يوم القيامة حتى إنها لتصطفق) ، ثم تلا {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت