فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 326

حاليا في أقطار المسلمين وما نتج عنها من مقاتل وتدخل أجنبي بخافية. كل ذلك مصداق لقول ابن عباس:"ما ظهر الغلول في قوم إلا ألقى الله في قلوبهم الرعب ولا فشا الزنا في قوم إلا كثر فيهم الموت ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا قطع عنهم الرزق، ولا حكم قوم بغير حق إلا فشا فيهم الدم، ولا ختر قوم بالعهد إلا سلط عليهم عدوهم". ومن رحمة الله تعالى بالأمة أن أنزل عليها من التشريعات المالية ما يحفظ لها أمنها أموالا وأعراضا ودماء وهو معنى قوله عز وجل عقب ذلك: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} ، فإذا عملوا بها عمتهم رحمته وسكينته ورخاؤه، وإن نبذوها كان الجوع والخوف والقتل: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} النحل 112.

هذا عاجل عاقبة المعاملات المالية الفاسدة ومآل مخالفة تشريعاتها الإسلامية الرشيدة في الدنيا، أما عقوبتها في الآخرة فهو قوله تعالى عقب ذلك: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} ، أي من يأكل مالَ أخيه المسلم ظلما بغير طيب نفس منه، أو يساهم في تخريب اقتصاد الأمة أو إفساد معاملاتها المالية واستدراجها للفتن والتقاتل والتناحر {عُدْوَانًا وَظُلْمًا} قيد فعل تلك المعاملات بصفتي العدوان والظلم أي: عالما بتحريمها متجاسرا على ارتكابها، متعديا حدود الله فيها، ليستثني ما كان منها غير مقصود وليشمل العذاب كل أصناف الارتكاب المقصود: {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا} أي: ندخله جهنم {وَكَانَ ذَلِكَ} الإدخال إلى النار {عَلى اللَّهِ يَسِيرًا} لا مشقة فيه ولا مانع عنه.

وكعادة الأسلوب القرآني في التربية والتوجيه والإصلاح، إذ يبين ثواب الطاعة وعقوبة العصيان، ليهتدي من اهتدى عن بينة ويضل من ضل عن بيان، فتح الوحي الكريم للناس بعد هذا الوعيد الشديد باب العفو حتى لا يقنطوا فقال تعالى عقب ذلك: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} وهذه الآية الكريمة على ما بها من بشارة للمطيعين تشي بأن من المنهيات كبائر وصغائر يبينها قوله تعالى في آية أخرى: {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر والفسوق والعصيان} ، وأن الكفر أكبر الكبائر، والفسوق غير العقدي كبيرة بعده، والعصيان منه كبيرة ومنه صغيرة، قال تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} النجم 32، وقد بينت السنة النبوية الشريفة أخطر الكبائر بقوله صلى الله عليه وسلم: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ) ؛ إلا أن النص على هذه السبع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت