من يتزوجها، فخير لكل منهما الصبر حتى يأذن الله تعالى بالفرج، مغفرة منه لمن أخطأ ورحمة لمن عنِتَ: {وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
ولا يفوتنا التذكير في هذا السياق بأن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في السبايا أن يعتقن ويتزوج بهن معتقوهن، كما فعل عليه الصلاة والسلام ليستن به غيره، إذ عرض الإسلام على صفية وكانت يهودية [[1] ]، وجويرية وكانت مشركة [[2] ]، ومارية القبطية وكانت نصرانية [[3] ]، فأسلمن وأعتقهن وجعلهن من أمهات المؤمنين رضي الله عنهن جميعا، وقال: (من كانت له جارية فأدبها فأحسن أدبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران) .
ثم شرع الوحي الكريم في بيان حكمة الله من هذه الأحكام فقال:
{يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} أي: يريد الله تعالى بما شرع لكم فيما سبق ذكره من أحكام بتحليل ما أحل وتحريم ما حرم، وما أرشدكم إليه من فضائل الأعمال والأقوال أن يبين لكم ما فيه صلاح دينكم ودنياكم.
{وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} والسنن جمع سنة، وهي الطريقة والمنهج، أي سنن أهل الرشد والهدى من المسلمين قبلكم، أنبياء ورسلا وصالحين، عقيدةً وحفظا للأعراض والأموال وتحريما لما حرم الله وتحليلا لما أحل، ولئن اختلفت بعض الشرائع الإسلامية من قوم إلى قوم فإنها كلها من الله تعالى عن طريق رسله عليهم الصلاة والسلام، تتفق في باب مصالح الدنيا والآخرة.
{وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} الواو عطف على قوله تعالى {وَيَهْدِيَكُمْ} ، والتوبة لغة الرجوع، ومن الذنب الكف عنه، والتوب مثله، من قولك تاب إلى الله توبا وتوبة ومتابا أي ندم على
(1) - صفية بنت حيي بن أخطب سيد بني النضير من بني إسرائيل، كانت من سبي خيبر، وعرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام فأسلمت، فأعتقها وتزوجها بعد فتح خيبر سنة 7 هـ.
(2) - جويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق من خزاعة، كانت في سبي بني المصطلق في سهم ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابتها، وتزوجها في شعبان سنة 6 هـ.
(3) - مارية القبطية، أهداها له المقوقس، فأسلمت وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأولدها ابنه إبراهيم، الذي توفي صغيرا بالمدينة في حياته صلى الله عليه وسلم، في 28 / أو 29 من شهر شوال سنة 10.