فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 326

ولأن حد زنا مَنْ مَسَّهُنَّ الأسرُ لم يتقدم بيانه عقّب الحق سبحانه بقوله:

{فَإِذَا أُحْصِنَّ} أي: فإذا تحصَّنَّ بالإسلام وانتقلن من حيز شبهة التعرض للزنا بالإكراه لما نالهن من الأسر إلى حيز ذوات الأزواج {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ} إن وقعن في الزنا {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} فالحد المقرر عليهن من رب العزة خمسون جلدة، نصف حد غير المحصن من الأحرار والحرائر الوارد في قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَة} النور 2، وذلك رحمة من الله لهن وتخفيفا عنهن من شعورهن بالغربة وآلام الأسر والاستضعاف التي عانينها، ولأن حد الرجم المقرر للزاني المحصن لا يحتمل القسمة.

أما الأسيرة غير المحصنة إذا ارتكبت الفاحشة فقد اختلف الفقهاء في تقدير الحد عليها، هل هو النصف المقرر للأسيرة المحصنة، أم يكون تأديبا دون النصف يقدر لكل حالة، وهل يميز فيه بين المسلمة والباقية على كفرها، وهو خلاف يرجع فيه إلى كتب الأحكام الشرعية العملية.

ويبدو ظاهرا لطف الله تعالى ورحمته من هذا التخفيف على المستضعفين من الأسرى والأسيرات بجعل حدهم نصف حد غير المحصنين وإعفائهم من الرجم المقرر للأحرار المحصنين، مع أن جميع قوانين الأمم من قبل ومن بعد بها طرائق لتخفيف العقوبات على علية أقوامهم، وتشديدها على المستضعفين منهم، يؤكد ذلك ويشرحه قول الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله في حالة المخزومية التي سرقت، فعن عائشة رضي الله عنها أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حِبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتشفع في حد من حدود الله؟) ثم قام فقال: (إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)

ثم يختم الوحي الكريم هذه الآيات ببيان رحمته تعالى ولطفه بعباده وتيسيره مشاق الضوابط الشرعية لهم بقوله:

{ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} والعنت لغة من عنِت يعنَت عنتا إذا وقع في المشقة الشديدة، والعنت الوقوع في الأمر الشاق، ويطلق على الهلاك والغلط والخطأ والإثم والزنا والجور بحسب سياق وروده، والمعنى: أن هذه الأحكام المبيحةَ لنكاح الأسيرات اللاتي أسلمن والمنظمةَ لصفة وقوعه شُرعت لدفع مشقة العُزْبَة عن فقراء المسلمين، وتخفيف عنت الاستضعاف والوحدة وفتنة الأسر على الأسيرات المسلمات، فإن بلغ الفقر بالمسلم حدا لا يُقْدِره حتى على نكاح الأسيرة، ولم يتقدم للأسيرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت