ثم شرع الوحي في بيان المبادئ العقدية والتشريعية التي يقوم عليها هذا النكاح وأولها قوله تعالى:
{وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ} أي: أعلم منكم بمراتب إيمانكم الذي هو مناط التفضيل بين الناس بقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} الحجرات 13؛ وهي إشارة واضحة إلى مبدأ المساواة الإيمانية الظاهرة في الآية بين الأسيرة التي أسلمت وبين من يتزوجها، وبمقتضاها لا اعتبار لكفرها السابق لأن الإسلام يجب ما قبله أولا، وقوة الإيمان لدى الطرفين لا يعلمها إلا الله ثانيا، وقد تكون الأسيرة أصدق إيمانا وأقواه من المسلم الذي تزوجها، و رُبّ أمةٍ إيمانها خير من إيمان ألف رجل حرّ.
وثاني هذه المبادئ قوله عز وجل:
{بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} أي: أنتم وأسراكم سواسية في الإنسانية، أبوكم واحد وأمكم واحدة خلقكم الله تعالى: {مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} النساء 1، وأوجب عليكم نحو جميع أسراكم من العدل وحسن المعاملة والأدب في المخاطبة والمعاشرة ما أوجبه الشرع على كل مسلم.
ثم أخذ الوحي الكريم في بيان صورة العقد عليهن وبدأ باشتراط الولي فقال عز وجل:
{فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} وعبر بلفظ"انكحوهن"أي تزوجوهن، تأكيدا وترغيبا في إيثار العقد عليهن على الصوم كما في حديث: (ومن لم يستطع منكم فعليه بالصوم فإنه له وجاء) ، وتحصنا من فاحشة الزنا، واشترط إذْنَ أهل الأسيرات وهم أولياء ملك اليمين، أو القضاء إن غابوا أو عضلوا أو لمطلق الضرورة، لأن القاضي ولي من لا ولي له.
ثم ثنى بالصداق فقال: {وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أي: آتوهن صداقهن الواجب لهن عليكم بدون مماطلة أو تسويف، يتملكنه وحدهن وليس لمالك اليمين حق فيه، خلافا لما ذهب إليه بعض الفقهاء.
ودفعا لأي شبهة عن هذا النكاح، وتفظيعا لما كانت ترتكبه الإماء في الجاهلية بأمر مواليهنّ مكرهات على البغاء لاكتساب المال، وسدّا لمداخل مظان الزنا كلّها، واستبعادا لما قد يؤوله الجهلة ومرضى القلوب أكد الحق سبحانه الصفة الشرعية لهذه العلاقة الجديدة فقال:
{مُحْصَنَاتٍ} متزوجات عفائف بعيدات عن الفاحشة وعن الشبهة والريبة، {غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} أي غير مزانيات، والمرأة المسافحة هي التي تؤاجر نفسها والرجل المسافح هو الذي يغشى الداعرات، {وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} غير متخذات أخلاء، وكان من عادات العرب في الجاهلية اتخاذ الخليلات من النساء متزوجات وغير متزوجات وإماءً في السر فحرم الإسلام ذلك.