فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 326

التاريخ لحد الآن [[1] ]. أما الأسيرات فقد رخص عز وجل في الزواج بهن إعفافا وتيسيرا، لهن ولمن لا يستطيع نكاح الحرائر من المسلمين فقال سبحانه:

{وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} ويعني بالطول القدرة على مهر الحرة من النساء، أما لفظ {الْمُحْصَنَاتِ} فمن فعل:"حَصُنَ المكان يَحْصُنُ حَصانةً فهو حَصِين، أي مَنُع وصار منيعا، وأَحْصَنَه صاحبُه وحَصَّنه أي جعله محصنا وحصينا لا يوصل إليه، ومنه قوله تعالى: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ} الحشر 14، والحَصان من النساء: المحصنة، أي المنيعة إما بعفتها، أو بتزوجها، أو بمانع من شرفها وحريتها ومنه قوله تعالى: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا} التحريم 12، وقد ورد هذا اللفظ في القرآن بمعان منها: الحرائر من النساء في قوله تعالى: {الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} ، والعفيفات في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَات} النور 4، والمتزوجات في قوله تعالى {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} النساء 25، واللائي أحصنهن الإسلام في قوله تعالى {فَإِذا أُحْصِنَّ} أي أسلمن."

ومعنى الآية أنكم إن لم تجدوا قدرة على نكاح الحرائر المؤمنات: {فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} أي: فتزوجوا الأسيرة ولو كانت قبل الأسر متزوجة، لأن الأسر يهدم زوجيتها ما لم يسع أهلها لفدائها، ولم يكن زوجها أسيرا معها، لقتله في المعركة أو لبقائه في أرض العدو، فتستبرأ إن كانت حائلا وتضع حملها إن كانت حاملا ثم يعقد عليها.

وأعطى الأولوية في هذا النكاح للمؤمنات منهن بقوله: {فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} تحريضا على إيثار نكاحهن على غيرهن من غير المؤمنات، وتكريما وصونا وإعفافا لهن، وتيسيرا لفقراء المؤمنين في أمر الزواج وإن لم يحرم ذلك على أغنيائهم، وسماهن عز وجل فتيات استبعادا لإطلاق صفة العبودية لغير الله تعالى عليهن وهن المسلمات. وقد ذهب أبو حنيفة إلى أن الزواج بالأسيرة ولو أسلمت لا يجوز لذي الطول أو لمن له زوجة واحدة تعفه، إلا أن هذا الرأي منه تضييق لا داعي له، فقد تكون لذي الطول مبررات للزواج من الأسيرة، كحسن دينها أو كعقم زوجته الحرة مثلا.

(1) - تشهد على ذلك أحدث معتقلات عصرنا لدى أرقى حضارات الغرب المعاصرة في سجن أبوغريب العراق، وسجن غوانتنامو الأمريكية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت