ارتكاب الذنب وعزم على تركه وعدم العودة إليه وتدارك ما أفسده بارتكابه، ومنه قوله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} النور 31، وتاب الله عليه: رجع به إلى معالم الحق ليهتدي، أو قَبِل توبته؛ وقوله تعالى: {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي يهديكم بعلمه وحكمته إلى سبل التوبة من الآثام والتطهر من الذنوب.
ثم عقب تعالى بقوله: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} الواو في هذه الآية واو الحال، أي: والحال أن ما يرضاه الله تعالى ويريده ويقبله من توبة أولياءه غير ما يريده لهم أولياء الشيطان عبيد الشهوات: {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} يُريد أتباع الشياطين أن تنحرفوا عن الحق نحو الباطل انحرافا شديدا.
لقد تضمنت هذه الآية الكريمة خلاصةَ منهج الحق فأوجزت سبيل الله في ثلاثة مفاصل: شريعةَ التوبة، ومنهجَ القيام بها وما وعد به تعالى من قبولها، وخلاصةَ منهج الباطل وطريقِ الردى، وهو سبيل أصحاب الأهواء وأتباع الشهوات، قال تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} محمد 14، وقال: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ} الرعد 37، وقال: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} 59. والآية بذلك بيانٌ شافٍ لطريق الجنة وطريق النار، نهجِ الذين أنعم الله عليهم، ومسلكِ الضالين والمغضوب عليهم، {فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا} المزمل 19، {وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} الكهف 29.
لقد ورد أغلب ما سبق من هذه السورة نصرةً للمستضعفين وتحيزا للمظلومين من النساء والولدان والفقراء والمحتاجين أحرارا وأسرى، لعلم الخالق عز وجل بضعفهم وحاجتهم إلى الإيصاء بهم، وكانت منه تعالى تشريعات اليسر هذه لواسع رحمته وهو تعالى أرحم الراحمين، ولعلمه بأحوال الناس قاطبة وبمحدودية قدرتهم وتحملهم، لذلك ختم هذه الآيات المباركة بقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} . وقد روي عن ابن عباس أنه قال: ثماني آيات في سورة النساء خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت: قوله تعالى: {يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} النساء 26، وقوله: {والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} النساء 27، وقوله: {يُرِيدُ الله أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} النساء 28، وقوله: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} النساء 31، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} النساء 40، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} النساء 48،