فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 326

وفي مقابل ذلك أمرت - كما هو شأن سابقاتها من السور ولاحقاتها - بالتوحيد والعدل والعفة والإحسان والأمانة والتسامح والتكافل والتراحم والتناصح وحماية البيضة والدفاع عن الحوزة، وحذرت من مكايد الأعداء المتربصين وضلالات المشركين، داخل الأمة من المدسوسين وخارجها من الحاقدين، وكل ذلك تقرير للحقوق والواجبات وعصمة من الظلم والوهن والاستضعاف، ولجم لعوامل الاستقواء والتجبر والطغيان في النفس البشرية على بني جنسها أو نظام مجتمعها أو منهج تدبيرها العام.

بذلك كانت هذه السورة مرجعا لفقه الاستضعاف في الشريعة الإسلامية، ودليلا إلى الحقوق والواجبات في إطار دولة الإيمان، وحجة على من بلغته أحكامها، لا ينبغي له بعدها أن يستضعف غيره، أو يخضع للاستضعاف من غيره؛ لأن الله تعالى جعل بتشريعاتها له سبيلا إلى حفظ أمنه وعرضه وأسرته ومجتمعه ومصالحه المشروعة في حالات الرخاء والضيق، والأمن والخوف، والمقام بين الأهل أو في مواطن الهجرة والاغتراب.

ومن خلال هذه التشريعات والتكاليف المتعلقة بأحكام العلاقات والأسباب بين الناس، وما تضمنته من حقوق وواجبات ووعد ووعيد بثت آيات تزرع الأمل في النفوس، وتبشر برحمة الله للمخطئين التوابين، كيلا تنخلعَ قلوب العباد أو تيأسَ من فضل الله الواسع أو تقنطَ إن تراكمت عليها الذنوب وحاصرتها الآثام والمظالم، أو تضيقَ بذلة المأوى واستقواء الظالمين، قال عز وجل: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} النساء 110، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن في سورة النساء لخمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} النساء 40، و {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} النساء 31، و {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} النساء 48، و {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} النساء 64، و {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} النساء 110.

وكما كانت صلة هذه السورة الكريمة وثيقة بما سبقها وما تلاها من حيث المحور العام للقرآن الكريم توحيدا وتشريعا واستعلاء إيمان، وتكامل بناء لأمة الإمامة والخلافة والشهادة، فإنها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت