فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 326

أيضا في جزئيات معانيها ودقيق تفاصيلها وصياغة آياتها أشد ارتباطا وأعمق تناسقا وتناغما مع ما قبلها وما بعدها.

ذلك أن مطلعها إن كان أمرا بالتقوى، فإن التقوى كانت قبلها محور سورة الفاتحة ومطلع سورة البقرة: {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} البقرة 1/ 2، وخاتمة سورة آل عمران: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} آل عمران 200.

ولئن علل الحق سبحانه التقوى في مطلع سورة النساء وهي الرابعة في النصف الأول من القرآن بما يدل على معرفة مبدأ الإنسان فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَة} النساء 1، فإنه تعالى قد علل الأمر بالتقوى في مطلع سورة الحج وهي الرابعة في النصف الثاني من القرآن بما يدل على المعاد وقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} الحج 1، فجمع الصدران من السورتين المبدأ والمعاد، من ذكرهما كان أقرب إلى التقوى وأبعد عن الشرك والضلال والهوى.

وتبعا لقاعدة تكاد تطرد في أغلب سور القرآن الكريم وهي أن كل سورة بها تفصيل لمجمل ما قبلها وبسط لموجزه، مما يجعلها مكملة لها أو جزءا منها، فإن سورة النساء قد شرحت كثيرا مما ورد مجملا في سورتي البقرة وآل عمران قبلها، من ذلك أن سورة البقرة أجملت آيات اليتامى والوصية والميراث بقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} البقرة 180، وقوله سبحانه: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} البقرة 223، وقوله عز وجل: {قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} البقرة 215، وفصلت سورة النساء ذلك تفصيلا دقيقا بدءا من الآية الثانية فما بعدها، وذكرت سورة البقرة نكاح الإماء مجملا بقوله تعالى: {وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} الآية ... البقرة 221، ثم فصلت شروطه سورة النساء بقوله عز وجل: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت