فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 326

وضعت الإطار الصلب الممتنع عن الاستضعاف، وهو الأمة الراشدة بشقها التدبيري العام في دولة الشورى والطاعة الشرعية، وشقها التشريعي الخاص المنظم للعلاقات بين أفراد الأمة وفاقا وألفة أو اختلافا وشقاقا، ووكلت رعاية النظام العام والخاص إلى جميع أفراد الأمة أولا، ثم إلى ولاة الأمر فيها ثانيا، ثم إلى حساب يوم الدين لتجزى كل نفس بما كسبت، وتؤدى الحقوق إلى أهلها حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء، وناطت كل ذلك بالإيمان الذي هو قوام الأمر كله، قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} النساء 65.

كما وضعت للمسلم أصولا للتصرف السليم حال اضطراره في أنظمة التجبر والظلم والطغيان، بما يحفظ عرضه ودينه، ولا يؤذيه في نفس أو أهل أو عقيدة. وأمرت أقوياء الأمة بالدفاع عن مستضعفيها، وشرعت للهجرة ضوابطها وموجباتها ومبيحاتها ومحرماتها.

تعرضت في مطلعها للأصل البشري الواحد الذي خلق منه الإنسان: {مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَة} النساء 1، وما كان كذلك فظلمه لبعضه ظلم لنفسه، ثم فرعت من ظلم النفس كل أصناف الاستضعاف التي يمارسها الإنسان ضد أخيه الإنسان في حالتي الوفاق والشقاق، طغيانا من الزوج على زوجته ومن الزوجة على زوجها، وطغيانا للورثة على بعضهم في حال اقتسام التركة تناكرا وتكاثرا واستئثارا، وطغيانا للوصي على اليتيم واليتيمة لا يرعى لهما حقا ولا يحفظ لهما عرضا، وطغيانا لأصحاب المال والجاه والنفوذ على العجزة والراكنين والمستسلمين والخانعين، وطغيانا على مجتمع المسلمين في حال ضعفه من أهل النفاق والكفر معالنين ومخاتلين، وطغيانا للجبن على النفوس الضعيفة القابلة للاستضعاف والانظلام وفي الأرض متسع للأنام.

وضعت هذه السورة الكريمة لكل حالة من هذه الحالات ظاهرها وخفيها تشريعا يمنع الظلم، ويعصم مما قد تسقط فيه النفوس من الوهن وقابلية الاستضعاف، بحيث لو لم تكن تسمية السور القرآنية توقيفية لجاز تسميتها أيضا بسورة المستضعفين نساء ورجالا وأيتاما، أفرادا ومجتمعات، لما تناولته من شؤونهم وما قررته من حقوقهم وما حرضتهم عليه من حفاظ على الكرامة ورفض للظلم، ظلم أنفسهم لأنفسهم، وظلم غيرهم لهم قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} النساء 97.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت