إسرائيل على الأنبياء فقتلوا بعضهم وطاردوا آخرين، واستقوت قريش على الرسول صلى الله عليه وسلم فاضطهدوا أتباعه وكادوا يقتلونه.
وعلى مدار المسيرة الإنسانية في الأرض تدور المعركة بين الاستضعاف والاستقواء، بين المستضعفين والمستكبرين، من الزوج الطاغية والزوجة الضعيفة المستكينة، والزوجة المتسلطة والزوج المسالم الطيب، والأب المستهتر الجبار الأناني والبنت الضعيفة المستسلمة الموؤودة، إلى المرابي الذي يستغل حاجات الناس وضائقتهم فيأكل أموالهم بالباطل، والقوي بعصبته وعصابته الذي يغتصب الحقوق ويجحد الأمانة ويقطع الطريق، ويغتصب الأعراض، إلى الحاكم المتجبر الذي يستخف شعبه ويجعله بين قيد وسوط ومشنقة {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} القصص 4/ 5.
وليس من عجب أن يحتفظ المجتمع الإسلامي الناشئ ببعض هذه الرواسب الجاهلية فيعمل الوحي الكريم على تطهيره منها وهو يبني أمة الرسالة الخاتمة على منهج عقدي واجتماعي وسياسي واقتصادي وثقافي يحفظ الكرامة ويقيم العدل ويعصم من ذل الظلم والاستضعاف. كما ليس من عجب أن تنزل لمعالجة هذه الحالات وتحقيق تلك الغايات سورة من السور الطُّوَل، بها 176 آية [[1] ]، نزلت كلها بالمدينة في فترة التأسيس والبناء إلا آية واحدة نزلت في مكة عام الفتح هي قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} النساء 58.
لكل هذه الحالات وغيرها من مظالم معركتي الاستضعاف والاستقواء نزلت سورة النساء، ووضعت للحماية من ظلم النفس وظلم الغير تشريعات مفصلة واضحة لا يشقى من أخذ بها، ولا يذل من استهدى بها، تشريعات غايتها واحدة وأساليبها شتى، الغاية الواحدة أن ترفع عن الإنسان ظلم الاستضعاف، أما وسائلها فمتعددة بتعدد أصنافه وأشكاله وظروفه وحاجات الناس في مختلف الأزمان والأوطان، من غير أن يتخلى المؤمن عن عقيدته، أو ينسلخ عن ثوابت دينه، أو ينتهج طرق أهل البدع والباطل والأهواء.
(1) - اختلف في عدد آيات سورة النساء، فقيل مائتان وسبعون وخمس، وقيل ست وقيل سبع/ انظر الإتقان لجلال الدين السيوطي 1/ 191