فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 326

والكره بفتح الكاف وضمها لغتان بمعنى واحد، قرأها الكسائي وحمزة بالضم وقرأها الباقون بالفتح، وعند الفراء أنها بالفتح الإكراه، وبالضم المشقة، والآية الكريمة نهي من الله تعالى للمؤمنين عن أن يأخذوا نساء موتاهم بطريق الإرث مكرهات وبغير رضاهن، لأن ذلك من أفعال أهل الجاهلية التي حرمها الإسلام وأحكم النهي عنها، لما فيها من ظلم للمرأة، وإهانة لكرامتها وإزراء بمستواها الإنساني، وحط من قيمتها المساوية تماما لقيمة الرجل كما هو الأصل في مبدأ خلقهما من نفس واحدة: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} النساء 1.

ثم واصل الوحي الكريم تطهير المجتمع الإسلامي الناشئ وحماية المرأة من شر هذه الأعراف الجاهلية الموروثة فقال تعالى:

{وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ} والعضل هو المنع ظلما، يقال عضَل الرجل بنته يعضُلها عضلا وعضَّلها إذا منعها الزواج من كفء لها، وعضَل الزوج زوجته إذا ضيق بها كي تفتدي منه نفسها، ومن ذلك قولهم: أعضل الأمرُ فهو معضِل إذا ضاق واشتد، وعضَّل المكانُ بقاطنيه إذا ضاق بهم، وقول عمر رضي الله عنه:"أَعْضَلَ بي أَهْلُ الكوفة ما يَرْضَوْن بأَمير ولا يرضاهم أَمير". وهذه الآية تحرم على أولياء النساء أن يمنعوهن الزواج ممن يرضين من الأكفاء، رغبة في الاستيلاء على أموالهن، كما تحرم على الأزواج أيضا أن يضيقوا بزوجاتهم كي يسترجعوا منهن ما أنفقوا عليهن من صداق ونحوه مخالعة وافتداء، ثم استثنى الحق سبحانه من هذا التحريم حالة ارتكاب الزوجة للفاحشة فقال: {إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} وهي الزنا البين، الذي يبيح للزوج الإضرار بالزوجة طلاقا أو مخالعة أو ملاعنة إن لم يستجمع أربعة شهود، وإخراجا من بيت الزوجية قبل انتهاء العدة كما قال تعالى: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} الطلاق 1.

وبعد النهي عن الإضرار بالنساء إكراها لهن على ما لا يرضينه أو سلبا لحقوقهن المالية، أمر الحق سبحانه بمعنى زائد عن عدم الإضرار وهو حسن معاشرة الزوجات وإحسان صحبتهن فقال:

{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أي صاحبوهن بما حض عليه الشرع من إحسان إليهن بالفعل الحسن والقول الحميد والتودد المتحبب، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة، فقد كان جميل العشرة، دائم البشر مع أهله، يداعب نساءه ويتلطف بهن، ويضاحكهن، قالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: (سابقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته، وذلك قبل أن أحمل اللحم، ثم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت