أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ النور 33، وكان بعضهم يطلّق المرأة ويشترط عليها ألا تنكح إلا من أراد أو تفتدي نفسها منه بما يرضيه، وكان الرجل منهم تكون اليتيمة في حجره يلي أمرها فيحبسها عن الزواج حتى يكبر ابنه الصغير ليتزوجها ويأخذ مالها، وكان الرجل العجوز ونفسه تتوق إلى الشابة يكره فراق زوجته العجوز فيمسكها ولا يقربها حتى تفتدي منه نفسها بمالها أو تموت فيرثها؛ فلما قامت دولة المدينة أخذ الوحي الكريم ينزل منظما للحياة على أسس سليمة يستعيد فيها الرجل والمرأة كرامتهما وشخصيتهما الاعتبارية وحريتهما الإنسانية، وكانت المرأة لِما تعانيه من حيف واستضعاف في المجتمع أولى بالأسبقية إلى التحرر واسترجاع الحقوق والكرامة، لذلك خاطب الحق سبحانه المؤمنين يأمرهم بأن يرفعوا مظالمهم الموروثة من الجاهلية عن النساء، في خطوة تأسيسة لنظام أسروي متكامل يقي من التفكك والبغضاء، ويصون من التواقح والتفاضح والصفاقة والجراءة على الأعراض، فقال عز وجل:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} والخطاب في هذه الآية الكريمة لجميع المؤمنين، أولياء للنساء أو أزواجا لهن أو قضاة، أو آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر، من أجل استثارة كوامن العقيدة في قلوبهم وإشعارهم بمقتضياتها في علاقاتهم ببعضهم، ولأنهم أولى الناس بالسمع والطاعة والامتثال، حتى إذا تطلعت العقول واشرأبت الأفئدة لمعرفة ما يطلب منها بهذا النداء الرباني، بيَّن الحق عز وجل ذلك بقوله:
{لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا} وأصل الفعل"ترثوا"من ورِث الشيءَ يرِثه بكسر الراء في الماضي والمضارع: إذا مات صاحبه وصار لمن بقي بعده، يقال: ورث فلان مالا وِراثة وميراثا، فإن ورِث بعض المال قيل ورث منه، وأورث الرجلُ ولدَه مالا وورَّثه بمعنى واحد، ومنه قول المنذري:"سمعتُ إبراهيم الحَرْبِيّ وسئل عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه وَرَّثَ النساء خِطَطَهُنَّ [[1] ]دون الرجال، فقال: نعم، كان النبي صلى الله عليه وسلم أَعطَى نساءً يسكُنَّها بالمدينة، شِبْهَ القَطايع، منهنّ أُمُّ عبْد، فجعلها لهنّ دون الرجال، لاحظّ فيها للرجال"، والإرث لغة هو ما وُرِث، وشرعا هو حق قابل للتجزئة ثبت لمستحقه بعد موت مَن كان له ذلك لقرابة بينهما أو نحوها. واسم الفاعل منه وارث جمع وُرَّاث وَوَرَثَة، والوارث صفة من صفات الله عز وجل، هو الباقي الدائم الذي يَرِثُ الخلائقَ ويبقى بعد فنائهم يرث الأَرض ومَن عليها وهو خير الوارثين.
(1) - الخِطَّة: الأرض أو الدَّار يختطها الرجل في أرضٍ غيرِ مملوكةٍ ليتحجَّرها ويبني فيها، وجمعهُا الخِطط، وذلك إذا أَذِن السلطانُ لجماعةٍ من المسلمين أن يختطُّوا في موضع بعينه ويتخذوا فيها مساكن لهم، كما كان بالكُوفة والبصرة وبغداد.