لذلك كان آدم وحواء أول الأمر لا يريان عورتيهما لِما أُلبِساه من لباس الجنة، فلما أذنبا بالأكل مما نُهِيا عنه كان التأديب بأن: {بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا} ، كُشفت لهما عورتهما فبادرا إلى سترها حياء من الله، لِما ما تقرر في فطرتهما من قبح انكشاف ما ينبغي ستره، وأخذا يستتران بأوراق الجنة يلصقانها بجسديهما: {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ} ؛ ثم كان الإهباط إلى الأرض وما كتبه الحق سبحانه لهما ولذريتهما من لباسين، لباس يستر العورة الجسدية ويقي برد الشتاء وحر الصيف، ولباس التقوى يقيهما معايب التصرفات والمخالفات في العبادة، ويلهمهما الوفاء بميثاق الزوجية الغليظ الذي بينهما، قال تعالى: {يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} الأعراف 26.
لقد كان أول تشريع للأسرة البشرية في الأرض هو وجوب الحياء وسَتر العورة أولا، ثم حسن العشرة بين الزوج والزوجة ثانيا، ومن ذلك انبثقت تشريعات الحياة الزوجية بكل أوجهها، تمييزا لما يحل وما لا يحل من الاختيارات، وما يجوز وما لا يجوز من التصرفات، وجعل الحق سبحانه مقياسا وحارسا لكل ذلك الميثاقَ الغليظ الذي تنشأ به الأنساب والمصاهرات وتنضبط به العلاقات والمعاملات: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا} الفرقان 54.
لذلك ما إن حذر الحق سبحانه في أوائل سورة النساء من التقصير في رعاية المستضعفين نساء وولدانا، ومن تلويث فطرة التكاثر وبقاء النسل بالفواحش المنكرة المستقذرة، حتى شرع في بيان نظام الأسرة الرشيد، حسن عشرة ونظافة معاشرة، وخلقا كريما، وتمييزا لما يحرم وما يحل من الأنكحة، في إطار هذا الميثاق الغليظ الذي تحفظ به الأعراض، وتصان به الحقوق، ويسود به الوقار والستر والحياء بين أفراد كل أسرة، مبتدئا بحقوق أضعف أعضائها وهو الزوجة، لما تتعرض له غالبا من ظلم الرجل واستقوائه، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} .
لقد كانت المرأة لدى الجاهليين مجرد سلعة تُمتلَك وتُستثمَر ويُستمتَع بها، وكان من تقاليدهم أن أولياء الميت أحق بزوجته يرثونها كما تورث المنقولات، عقارا أو بهيمة أو أثاثا، ومن يُلقي منهم قبل غيره بردائه عليها امتلكها، فإن شاء تزوجها بصداقها الأول من الميت، أو زوجها من يشاء واستأثر بصداقها، أو عضلها فأمسكها في البيت، أو تاجر بعرضها وأكرهها على البغاء كما هو معروف في عصرنا هذا بمصطلح"الرقيق الأبيض"، وفي هذا نزل قوله تعالى وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ