ثم لما فتح الحق سبحانه باب التوبة لهؤلاء المنحرفين عن الفطرة السوية ناسب أن يبين مفهوم التوبة النصوح ووقتها وشروطها، مرغبا في تعجيلها والمبادرة بها وعدم تأخيرها، ومميزا بين توبة المشمولين برحمته تعالى وتوبة المطرودين منها فقال:
{إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ} أي: إنما التوبة التي وعد الله تعالى بقبولها، والتي مبناها الندم على ما فات والكف عن العودة إلى ما ارتكب من الزلات، والقيام بالواجبات على أحسن الحالات، مكفولة برحمته تعالى: {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ} أي: المعصية صغيرة كانت أو كبيرة، {بِجَهَالَةٍ} أي: بإقدام على السوء دون ترو أو استحضار لحكم الله فيه أو تقدير لعاقبة ارتكابه، ولذلك يسمى العاصي جاهلا وإن عصى عن علم، لأنه لو تذكر ما معه من العلم بالثواب والعقاب واستعمله لما عصى ربه، فلما غاب عنه هذا العلم ولم يستعمله عند الإقبال على السوء صار كأنه لا علم له، قال قتادةُ: اجتمع أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم على أنَّ كلَّ مَعصية فهي بِجَهَالَةٍ، عمدًا كانت أو جهلًا، وقال مجاهد: كل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته.
{ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} قريب من زمن المعصية، أي: وهم في فسحة من الأجل قبل الغرغرة، وسمى زمن قبول التوبة قريبا لأن أمد الحياة الدنيا قصير مهما تطاول في نظر الإنسان، قال تعالى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} النازعات 46، وقد حدد الرسول صلى الله عليه وسلم فترة قبول التوبة بقوله: (إن الله يقبلُ توبة العبْدِ مَا لم يُغَرْغِرُ) ؛ إلا أن تعجيل التوبة حال ارتكاب الذنب هو الأقرب إلى رضا الله عزوجل وقد دعا إليه بقوله: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} آل عمران 133، وهو الأقرب إلى السلامة، لأن الإنسان لا يدري متى يدركه الموت، وفي تأخيرها شبهة إصرار قد يحجبها قبل الغرغرة، وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم الإصرار على الذنب مانعا منها بقوله: (إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته) ، وقال: (ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا و هم يعلمون) ، كما جعل الندم والاستغفار طريقا إليها بقوله لعائشة رضي الله عنها: (يا عائشة إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن التوبة من الذنب: الندم والاستغفار) ، وقوله: (إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني) .
ثم أكد الحق سبحانه قبول هذه التوبة التي استوفت شروطها فقال: {فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} أي: فإن صحت توبة المذنبين غُفِرت خطاياهم مهما تعاظمت، وتاب الله عليهم،