فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 326

كما أن تحويل معنى الآيتين عن مسارهما في علاج فاحشتي شذوذ المرأة والرجل وادعاء نسخهما بآية سورة النور يجعل أشد الفواحش ظلما للفطرة السليمة خارج تغطية الحدود في الإسلام، مع أن الله تعالى لم يمهل مرتكبيها من قوم لوط وقال: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} هود 82 - 83، واعتبارهما محكمتين في ظاهرتي اكتفاء الذكور بالذكور والإناث بالإناث يملأ فراغا تشريعيا ومجالا عمليا لإصلاح المجتمع وتطهيره وتزكيته.

وفي هذا يقول سيد قطب رحمه الله: [والأوضح أن المقصود بقوله تعالى: {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ} ... الآية، هما الرجلان يأتيان الفاحشة الشاذة، وهو قول مجاهد رضي الله عنه] .

ويقول الشيخ الشعراوي رحمه الله في تفسيره: [والذين يقولون: إن هذه المسألة خاصة بعملية بين رجل وامرأة، نقول لهم: إن كلمة {وَاللَّاتِي} هذه اسم موصول لجماعة الإناث، أما إذا كان هذا بين ذكر وذكر ففي هذه الحالة يقول الحق: {واللذان يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَآ إِنَّ الله كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} النساء 16. والآية هنا تختص بلقاء رجل مع رجل، ولذلك تكون المسألة الأولى تخص المرأة مع المرأة، ولماذا يكون العقاب في مسألة لقاء المرأة بالمرأة طلبا للمتعة هو الإمساك في البيوت حتى يتوفاهن الموت؟ لأن هذا شر ووباء يجب أن يحاصر، فهذا الشر معناه الإفساد التام، لأن المرأة ليست محجوبة عن المرأة؛ فلأن تحبس المرأة حتى تموت خير من أن تتعود على الفاحشة، ونحن لا نعرف ما الذي سوف يحدث من أضرار، والعلم مازال قاصرا، فالذي خلق هو الذي شرع أن يلتقي الرجل بالمرأة في إطار الزواج وما يجب فيه من المهر والشهود، وسبحانه أعد المرأة للاستقبال، وأعد الرجل للإرسال، وهذا أمر طبيعي، فإذا دخل إرسال على استقبال ليس له، فالتشويش يحدث] اهـ.

وفي كلا الحالين - وإن بَيَّنَ الحقُّ عقوبة هذا الشذوذ بين النساء فيما بينهن والذكور فيما بينهم - فإنه تعالى لم يغلق في وجوههم باب الرحمة واللطف، بالتوبة النصوح والاستقامة على الفطرة السليمة، فقد عقب على فاحشة النساء فيما بينهن بقوله {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} أي: أو يتبن فيعافيهن الله من هذه البلية ويقيض لهن زواجا شرعيا يستمتعن فيه بما أباحه لهن، وعقب على فاحشة الذكور فيما بينهم بقوله: {فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا} أي فاصفحوا عنهما وكفوا عن أذاهما، لأن الله تعالى واسع الرحمة لا يرد توبة تائب: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت