فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 326

إلا أن فريقا من المفسرين فيهم أبو مسلم الأصبهاني عن مجاهد رضي الله عنه من القدامى، والشيخ الشعراوي وسيد قطب رحمهما الله تعالى من المعاصرين يخالفون ما ذهب إليه الجمهور من أن المراد بالآيتين فاحشة الزنا يرتكبها الرجل والمرأة، ويرون أن الآيتين محكمتان لا نسخ فيهما، وأن المراد بالأولى منهما وهي: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ} المرأة تكتفي بالمرأة، والمراد بالثانية منهما وهي: {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ} الرجل يكتفي بالرجل. يشهد بذلك ظهور الآية الأولى في النساء خاصة، ولفظ"اللاتي"الخاص بجماعة الإناث، وصريح لفظ"نسائكم"ونون النسوة، وكل ذلك لا يعني زنا المرأة برجل؛ كما أن جعل السبيل للمرأة التي ارتكبت الفاحشة في قوله تعالى: {يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} معناه جعل طريق لها تتخلص به من محنتها بالتوبة أو الزواج أو الشيخوخة التي تطفئ شِرَّةَ شهوتها، وليس الجلد والرجم على كل حال سبيلا لها، بل هو في الواقع سبيل عليها كما قال تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} البقرة 286.

وكذلك لو كان المراد زنا المرأة بالرجل لما أفرد ذكر النساء وحدهن في الآية الأولى، ثم أفرد الرجال بصيغة التثنية بعد ذلك بقوله: {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ} ؛ ثم إن تركيب الآيتين يدل على معنيين مختلفين أحدهما خاص بإناث يرتكبن فيما بينهن الفاحشة والثاني خاص برجلين يرتكبان فيما بينهما الفاحشة، ولو كانت الآيتان تعنيان زنا النساء والرجال لأفضى التركيب اللغوي إلى تكرار الحالة الواحدة في الموضع الواحد مرتين، وهو متعارض مع فصاحة القرآن ومتانة لفظه وإعجاز تعبيره، أما إذا كان المراد بالآية الأولى حكم المساحقة بين الإناث، وبالثانية حكم عمل قوم لوط فإن التعبير لا يفضي إلى أي تكرار للأمر الواحد في الموضع الواحد، والآيتان بذلك محكمتان لا نسخ فيهما.

وكذلك اختلاف العقوبة في المساحقات بجعلها مناسبة لطبيعة ما ينبغي للمسلمة من لزوم البيت، وهي إمساكها فيه لتعجيزها عن ارتكاب الفاحشة مرة ثانية، مع عقوبة الذكرين بجعلها أقسى وأشد ردعا، وتفويض أمر تقديرها للجماعة المسلمة بقوله تعالى: {فَآَذُوهُمَا} ، دليل إشارة إلى أن الحالتين مختلفتان، وأن الأولى لفاحشة اكتفاء النساء بالنساء والثانية لفاحشة اكتفاء الرجال بالرجال.

ثم إن المراد من لفظ الفاحشة ما تزايد قبحه وتفاحش، وتكون بين ذكر وأنثى وهي الزنا، أو بين أنثى وأنثى وهي المساحقة، أو بين ذكر وذكر وهي عمل قوم لوط، وفي الآية ظهور واضح لأشد هذه الفواحش وهي التي تكون بين المتماثلين من كل جنس لما وصف به الحق سبحانه عمل قوم لوط بقوله: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ} ، وليس فيهما أي ظهور لخصوص الزنا؛ وكل ذلك يستبعد كون الآية منسوخة بآية حد الزنا في سورة النور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت