فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 326

القرآن الكريم أيضا ثلاث مرات على فعل قوم لوط واكتفاء الذكور بالذكور فقال عز وجل: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} الأعراف 80 - 81، وقال: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} النمل 54 - 55، وقال: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} العنكبوت 28 - 29.

وفي هذه الآيات دليل على أن من الفاحشة ما يتزايد قبحه ويرتكبه بعض عامة الناس، ومنها ما لا يرتكبه إلا أشدهم فسادا وانحرافا كما هو حال قوم لوط الذين ارتكبوا {الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ} ، ومنها ما يتصاغر إلى أن يخرج عن صفة الفاحشة فيسمى اللمم المعفو عنه كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَة} النجم 32.

والجمهور على أن المراد من قوله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ} اللواتي يرتكبن فاحشة الزنا، {مِنْ نِسَائِكُمْ} أي نساء المسلمين محصنات أو غير محصنات، متزوجات أو أبكارا، {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} فأشهدوا على زناهن أربعة من رجالكم، زيادة في التثبت وستر الأعراض وتجنب الظلم ورمي المؤمنات بغير علم، {فَإِنْ شَهِدُوا} أي: فإن رأوا الفعل رؤية العين وشهدوا به {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ} صيانة لهن عن تكرار الوقوع في هذه الفاحشة المنكرة {حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} حتى يدركهن الموت أو يجعل الله لهن مخرجا مما وقعن فيه بالتوبة أو الزواج. وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَة} النور 2، وقوله صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة و نفي سنة و الثيب بالثيب جلد مائة و الرجم) ، ثم اكتفوا بالرجم دون الجلد لصحة خبر عبادة بن الصامت عن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رجم ولم يجلد، وقد رجم عليه الصلاة والسلام محصنين هما ماعز بن مالك الأسلمى، والغامدية.

وهو أيضا ما ذهب إليه جمهور العلماء في قوله تعالى بعد هذه الآية: {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ} من أن المراد بها الرجل والمرأة يرتكبان فاحشة الزنا، {فَآَذُوهُمَا} فأوقعوا بهما من الأذى ما يردع فسادهما، وترك الوحي الكريم تقدير هذه العقوبة للجماعة المسلمة أول الأمر {فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا} فإن رجعا عن ارتكاب الفاحشة وأصلحا سلوكهما {فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا} فاصفحوا عنهما وكفوا عن أذاهما، كما ذهبوا إلى أن هذه الآية أيضا نسخت بما نسخت به الآية قبلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت