هاتان السورتان العظيمتان هما ناصية المنهج الإسلامي في تربية الصغار وإعادة تربية الكبار، وفي تطهير قلوبهم وأذهانهم وسلوكهم من رديء المعتقدات والأفكار والعادات والتقاليد والأهواء أولا، ثم تحليتهم بمنهج الإسلام فعلا للخيرات وقياما بالواجبات، وهو نفس الأسلوب الذي سارت عليه سورة النساء في التربية والتوجيه والترشيد إذ أمرت من أول آية فيها إلى قوله تعالى في الآية 14: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ ... الآية} ، بالإحسان إلى الأرحام ورعاية حقوق المستضعفين يتامى ونساء، وموتى موروثين وأحياء وارثين، ثم عقبت بإشارة واضحة بينة إلى أن هذه الفضائل لا تؤتي أكلها في مجتمع تشيع فيه الفاحشة والتسيب، ما لم يحاصر الفساد ويقمع الانحراف وتتطهر الأخلاق، ثم عرضت من هذا الفساد أسوأ نماذجه، ولعلاجه ومناهضته أنجع ما يحفظ الأعراض ويحمي الأمة ويحيي موات أبنائها، مبتدئة بأهم عضو في المجتمع هو المرأة، لما لها من دور إيجابي أو سلبي في التربية والتأهيل وبناء المستقبل وتكوين الرجال فقال تعالى:
{وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ} ولفظ اللاتي - كاللواتي واللائي - اسم موصول [[1] ]، جمع للإناث، مفرده: التي، ومثناه: اللتان، وهي تستعمل في جمع من يعقل، فإذا أريد جمع ما لا يعقل من المؤنث قيل: التي، فتقول مثلا:"النساء اللاتي واللواتي واللائي، والأشجار التي ..". وجملة الصلة بعدها: {يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ} . والفعل {يَأْتِينَ} أي: يرتكبن. والفاحشة والفُحْش والفَحْشاءُ لغةً من: فَحَشَ وفَحُشَ وأَفْحَشَ وفَحُشَ علينا وأَفْحَشَ إِفْحاشًا وفُحْشًا، وهي تجاوز الحد في ارتكاب القبيح قولا أو فعلا، وما تنفر منه الطباع السليمة ولا تقره العقول السوية، وكلّ ما يَشْتدّ قُبْحه من الذنوب والمعاصي كالزنا مثلا، أما في هذه الآية فقد أطلقت ونسب ارتكابها لجماعة نساء متفحشات، كما أطلقها
(1) - الإسمُ الموصولُ: ما يَدلُّ على مُعَينٍ بواسطة جملة تُذكر بعده. وتُسمّى هذه الجملةُ: (صِلةَ الموصول) .
والأسماءُ الموصولةُ قسمان: خاصة ومشتركة.
فالأسماءُ الموصولةُ الخاصةُ، هي التي تُفرَدُ وتُثنَّى وتُجمَعُ وتُذكَّرُ وتُؤنَّثُ، حسبَ مقتضى الكلام، وهي: الذي واللَّذان واللّذَينِ والّذينَ والتي واللّتانِ واللّتَينِ واللاّتي واللّواتي والّلائي، والأُلى للجمعِ مُطلقًا سواءٌ أَكان مذكرًا أو مؤنثًا.
والأسماء الموصولةُ المُشتركةُ: هي التي تكونُ بلفظٍ واحدٍ للجميع. فيشترك فيها المفردُ والمثنى والجمعُ والمذكرُ والمؤنثُ،.وهي: مَنْ وما وذا وأيُّ وذُو - - جامع الدروس العربية للغلاييني بتصرف.