بل إن منهم من تبدل سيئاتهم حسنات كما قال تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} .
أما توبة المصرين على الذنب والمبعدين عن باب الرحمة والمغفرة فسقةً وكفارا، فقد قال عنهم الحق تعالى تعقيبا على مآل التوابين بقوله:
{وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ} وهي توبة الفاسق المضطر الذي أيقن بوفاته وأدركته الغرغرة، وأحاطت به خطيئته ولم يبق قادرا على ارتكاب الذنب، فيقول وهو يودع الحياة: {إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ} ، هذه التوبة ليس لها في ميزان الله وزن، ولا تنجي صاحبها من العذاب.
{وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} وكذلك الكفار الذين يموتون على كفرهم، أو يدركهم الموت فيعلنون الإيمان كما أعلنه فرعون عند الغرق، قال تعالى: {حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} يونس 90؛ ثم بين الحق سبحانه ما أعد للفسقة والكفار الذي يؤخرون التوبة إلى الغرغرة أو يموتون على فسقهم أو كفرهم فقال: {أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} ، هؤلاء أعد الله لهم العذاب الشديد المؤلم، لأنهم قطعوا كل وشيجة لهم بالخير والإحسان والتوبة، وضيعوا كل ما يصلهم بالحِمَى الآمن في كنف ربهم جل وعلا.
إن إعطاء الحقوق ليس اللبنة الوحيدة لبناء مجتمع إسلامي رشيد، ولو توفر الإيمان في القلوب، إذ لا بد من مَصدَّات لهذا المجتمع تصد عنه أنواء الأهواء وعواصف الشهوات، وكوابحَ تحُدُّ من غلواء التمرد على الفطرة وشطط التسيب وفوضى التصرفات، ولقد خلق الله تعالى الإنسان سويا، معرفتُه بربه ومسؤوليتِه مركوزةٌ في أعماق فطرته، إلا أن من أخلد إلى مادية الحياة ونفعيتها الدنيوية اختلت لديه المقاييس، وغابت عنه معالم الطريق، فتاه وضل وغوى واستسلم للشيطان، قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} التين 4 - 5، وقال الحق سبحانه فيما يرويه عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: (وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنه أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا) . لذلك لم يكتف الوحي الكريم بما تقدم في الشوط الأول من سورة النساء، ومعالجة حالات استضعاف النساء واليتامى ذكورا وإناثا، من قبل الأوصياء والأولياء والأزواج، وذوي النفوذ في الأسرة أو القبيلة أو القوم، حتى أردف ذلك في آيات هذه الحلقة بما يوفر الحماية للمجتمع كله من أخطر آفة قد تدمره وتقضي عليه وتهد بنياه، آفةِ الفسق عن الفطرة التي خلق عليها الإنسان، والخروجِ عن مجال السواء البشري، في أهم